محمود بن حمزة الكرماني

262

البرهان في متشابه القرآن

* قوله تعالى : رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جاءَ بِالْهُدى « 1 » ، وبعده : رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جاءَ « 2 » بغير الباء : الأول هو الوجه ؛ لأن « أفعل » هذا : فيه معنى الفعل . ومعنى الفعل لا يعمل في المفعول به فزيد بعده باء تقوية للعمل . وخص الأول بالأصل ثم حذف / من الآخر الباء اكتفاء بدلالة الأول عليه ، ومحله نصب بفعل آخر : أي يعلم من جاء بالهدى ، ولم يقتض تغييرا « 3 » كما قلنا في الأنعام « 4 » ؛ لأن دلالة الأول قام مقام التغيير . وخصّ الثاني به لأنه فرع . * قوله تعالى في هذه السورة : لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلى إِلهِ مُوسى « 5 » . وفي المؤمن : لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ . أَسْبابَ السَّماواتِ فَأَطَّلِعَ إِلى إِلهِ مُوسى « 6 » ؛ لأن قوله : أَطَّلِعُ إِلى إِلهِ مُوسى في هذه السورة خبر « لعل » . وفي « المؤمن » عطف على خبر لعل ، وجعل قوله : أَبْلُغُ الْأَسْبابَ : خبر لعل ، ثم أبدل عنه أَسْبابَ السَّماواتِ . وإنما « 7 » زاد ليقع في مقابلة قوله : أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسادَ « 8 » ؛ لأنه زعم أنه إله الأرض فقال : ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي أي في الأرض ؛ ألا ترى أنه قال : فَأَطَّلِعَ إِلى إِلهِ مُوسى ؟ . فجاء في كل سورة على ما اقتضاه ما قبله . * قوله تعالى : وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكاذِبِينَ . وفي المؤمن : وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ [ كاذِباً ] « 9 » ؛ لأن التقدير في هذه السورة : وإني لأظنه كاذبا من الكاذبين فزيد مِنَ الْكاذِبِينَ لرءوس الآيات . ثم أضمر « كاذبا » لدلالة الكاذبين عليه وخصّت به السورة .

--> ( 1 ) سورة القصص وَقالَ مُوسى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جاءَ بِالْهُدى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ الآية : 37 . ( 2 ) القصص إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جاءَ بِالْهُدى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ الآية : 85 . ( 3 ) لم يقتض حذف الباء تغييرا في الفعل جاء فيؤتى بدله بالفعل [ يجيء ] . ( 4 ) راجع سورة الأنعام عند قوله تعالى : إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ ص : 160 . ( 5 ) سورة القصص من الآية : 38 . ( 6 ) سورة المؤمن من الآيتين : 36 ، 37 . ( 7 ) كذا في « مد » 103 / أ ، « د - م » 58 / ب ، « ز - 2 » 33 / ب ، والبصائر 1 / 356 . وفي الأصلية : [ وإذا ] . ( 8 ) سورة المؤمن [ غافر ] وَقالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسادَ الآية : 26 . ( 9 ) زيادة في البصائر 1 / 356 .