محمود بن حمزة الكرماني

81

اسرار التكرار في القرآن

32 - قوله : أَ وَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً « 170 » ، وفي المائدة لا يَعْلَمُونَ « 104 » ، لأن العلم أبلغ درجة من العقل ، ولهذا جاز وصف اللّه به ، ولم يجز وصفه بالعقل « 1 » ، فكانت دعواهم في المائدة أبلغ ، لقولهم : حَسْبُنا ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا « 104 » . فادعوا النهاية بلفظ حَسْبُنا . فنفى ذلك بالعلم وهو النهاية . وقال في البقرة : بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا « 170 » ، ولم تكن النهاية « 2 » فنفى بما هو دون العلم ، لتكون كل دعوى منفية بما يلائمها ، واللّه أعلم . 33 - قوله : وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ « 173 » . قدم بِهِ في هذه السورة ، وأخرها في المائدة « 3 » ، والأنعام « 145 » ، والنحل « 115 » ، لأن تقديم الباء « 3 » الأصل ، فإنها تجرى مجرى الهمزة والتشديد في التعدي ، فكانت كحرف من الفعل ، فكان الموضع الأول أولى بما هو الأصل ، ليعلم ما يقتضيه اللفظ . ثم قدم فيما سواها ما هو المستنكر « 4 » وهو الذبح لغير اللّه ، وتقديم ما هو الغرض أولى ، ولهذا جاز تقديم المفعول على الفاعل ، والحال على ذي الحال ، والظرف على العامل فيه ، إذا كان ذلك أكثر للغرض في الإخبار . 34 - قوله في هذه السورة : فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ « 173 » وفي السور الثلاث « 5 » بحذفها ، لأنه لما قال في الموضع الأول : فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ صريحا كان نفى الإثم « 6 » في غيره تضمينا ، لأن قوله :

--> ( 1 ) لا يجوز وصف اللّه بالعقل ، لأن يعقل معناه : يحصر الشيء بإدراكه له عما لا يدركه ، ويقيده تمييزه له عن غيره مما لا يدركه ، أو معناه : حبس النفس عما تدعو إليه الشهوات . وليس في الوجود شئ لا يدركه اللّه ، وليس له شهوة فيحتبس عنها ( درة التنزيل ص 39 ) . ( 2 ) لأن قولهم : بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا لا يمنع أن يرجعوا عن اتباعهم آباءهم . أما قولهم : حَسْبُنا ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا فيفيد انتهاءهم إلى عقيدة آبائهم ، واستقرارهم عليها . ( 3 ) في ب : لأن في تقديم الباء في الأصول ، وما أثبتناه أصح . ( 4 ) في أ : المتكثر . وفي ب : المستكثر . والسياق يقتضى ما أثبتناه . ( 5 ) السور الثلاث : ( الأنعام آية 145 ) ، و ( المائدة آية 3 ) ، و ( النحل آية 115 ) . ( 6 ) في الأصل : كان النفي ، وما أثبتناه أبعد من اللبس .