محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

675

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

بتكاليف النفس ؛ فإنّ في العقل آفتين أحدهما النسيان والثاني الكفران ، وزوالهما بالذكر والشكر ؛ فبالذكر يرتفع النسيان ، وبالشكر يرتفع الكفران ، كذلك في النفس آفتان هما علّتان أحدهما النزاع إلى السبعية بقوّة الغضب ، والثانية النزاع إلى البهيمية بقوّة الشهوة ، وعلاجهما بالصبر . فبالصبر والصمت والصوم تعالج القوّة الشهوية ، وبالصلاة والدعاء والذكر تعالج القوّة الغضبية ؛ وكما يصفو العقل عن آفتيه كذلك تنجو النفس عن علّتيها ، وكذلك قال النبيّ - صلّى اللّه عليه وسلّم - : « إنّ أخوف ما أخاف على أمّتي اتّباع الهوى وطول الأمل ؛ فأمّا اتّباع الهوى فيصدّ عن الحقّ وأمّا طول الأمل فينسي الآخرة » 24 ومن صدّ عن الحقّ فقد كفر وما شكر ، ومن نسي الآخرة فما ذكر وما شكر ؛ وقد يقترن الذكر والصلاة في سلك كما يقترن الصبر والشكر في سلك ، قال اللّه تعالى : قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ ( 274 ب ) فَصَلَّى وقال فيمن لم يفلح : فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى وقد مضى الكلام على الصبر والصلاة في صدر السورة وهذه زيادة فائدة . وسرّ آخر : أنّه لمّا سبق ذكر الذكر والشكر وهما في الظاهر متعلّقان باللسان والجنان ، أعني العبارة والمعنى ، جعل لهما مظهرا في الفعل ، فالصبر على طاعته والصبر عن معصيته مظهر الذكر الذي في الجنان ، والصلاة بأركانها مظهر الشكر على النعم كلّها ، وكان الذكر والشكر من قبيل المعاني والأرواح ، وكان الصبر والصلاة من قبيل الصور والأشخاص ، وكمال المصادر بالمظاهر وغاية المبادئ إلى الكمالات . قوله - جلّ وعزّ - : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 154 ] وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ ( 154 ) النظم لمّا أمرنا الربّ تعالى بالصبر على المصائب والصلاة التي هي مجمع الحقائق ، حقّق أنّ الذين استشهدوا في سبيل اللّه أحياء غير أموات ؛ فيتسلّى بذلك قلب صاحب المصيبة ؛ فيصبر عليها ولا يجزع ، ويتجلّى لقلب صاحب الصلاة كلّ أمر مستور عن الحسّ ؛ فيسلّم بذلك ولا يستبدع .