محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

664

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

غير اللّه فإنّ اللّه يجزيه بأن يكله إليه . قال سعيد بن جبير : لكلّ طريقة هو مجبول عليها في معنى قوله : قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ . قال ابن عبّاس : تنافسوا فيما رغّبتكم فيه ، فلكلّ عمل عندي جزاؤه . الأسرار قال الذين لهم وجهة الحقّ : كما كان لكلّ أمّة وجهة وقبلة هم مولّوها ؛ فالفلاسفة وجهتهم إلى العقل والنفس ، والصابئة وجهتهم إلى الهياكل ( 269 ب ) والأصنام ، واليهود وجهتهم إلى بيت المقدّس وبعضهم إلى الشمس ، والمجوس وجهتهم إلى النور وبعضهم إلى الشمس ، والمسلمون وجهتهم إلى الكعبة ، وقد تعيّنت الكعبة قبلة للناس حقّا كذلك لكل أمّة وفرقة وجهة إمام هم مولّوه ومذهب هم متقلّدوه ، كما قال النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله - : « ستفترق أمّتي على ثلاث وسبعين فرقة الناجية منها واحدة والباقون هلكى » 13 وكما أنّ الجهات كلّها قد بطلت إلّا جهة واحدة هي الكعبة بيت اللّه الحرام كذلك الفرق كلّها قد هلكت إلّا فرقة واحدة هم أهل السنّة والجماعة ، كما قال في جواب السائل وما السنّة والجماعة ؟ قال : « ما أنا عليه اليوم وأصحابي » 14 ، وكما وجب الاستباق إلى الخيرات لقوله بعد ذلك : فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ أي بالصلاة إلى الكعبة كذلك وجب الاستباق إلى الخيرات بعد تعيّن الحقّ في المذهب ؛ فإنّ الأعمال كلّها تقابل بالجزاء إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فيحشركم ويحشر أعمالكم أشخاصا وهو على كلّ شيء قدير . قوله - جلّ وعزّ - : [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 149 إلى 150 ] وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ( 149 ) وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ( 150 ) النظم كرّر الأمر بالتوجيه تأكيدا للتكليف به ، وفيه فوائد ؛ لأنّ الأمر بالتوجيه ربّما يكون أمر