محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

658

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

وهناك منزل القرآن وتعليم الإنسان بالقلم واللسان ، وذاك منزل التسليم والتوكل لولد إبراهيم وإسماعيل - عليهما السلام - ومولد النبيّ الأمّي ومنشأه ومعاده ، وهو الموازي للبيت المعمور المشرف على البحر المسجور ، محلّه من الأرض محلّ القطب من الدائرة ، ينحدر منه السيل ولا يرقى إليه الطير . أوّل بيت وضع للناس ، آخر بيت يرفع من الأرض ، مأمن الخلائق إن كانوا خائفين ( 267 آ ) ، ملاذ العباد إذا كانوا مستجيرين ، فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ ؛ فلشرف هذا الموضع المحرّم والبيت المعظّم ، حوّلت القبلة من بيت المقدّس ، وذلك أوّل حكم نسخ بأكمله وبدل بأفضله ، والنسخ تبديل حكم بحكم ، وتكميل آية بآية ، ولمّا كان النبيّ الأمّيّ أفضل الأنبياء - عليهم السلام - كانت قبلته أفضل القبلتين وملّته أكمل الملّتين . وسرّ آخر : تعيين جهة القبلة كتعيين شخص للإمامة ، وكما كانت الجهات متساوية بوجه ومتفاضلة بوجه كذلك الأشخاص متساوية بوجه ومتفاضلة من وجه . فمن حيث كون الجهات متساوية : فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ، ومن حيث كون الجهات متفاضلة : فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ ، كذلك من حيث كون الأشخاص متساوية « أقيلوني فلست بخيركم » 9 ، ومن حيث كون الأشخاص متفاضلة : « سلوني عمّا تحت الخضراء وفوق الغبراء 10 » ؛ « ولقد علموا أنّ محلّي منها محلّ القطب من الرّحى . » 11 قوله - جلّ وعزّ - : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 145 ] وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَما بَعْضُهُمْ بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ ( 145 ) النظم أخبر الربّ تعالى عن سرّ قلوب اليهود أنّهم لا يوافقونك في ملّتك ولا يتّبعونك في قبلتك ، وإن أتيتهم بكلّ آية وحجّة وبرهان وذلك حكم التقدير والمفروغ . التفسير قال المفسّرون : يعني بأهل الكتاب أحبار اليهود ، إنّك يا محمّد ! لو أتيتهم بكلّ حجّة