محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

650

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

وقال بعض أهل المعاني « جَعَلْنَا » هاهنا بمعنى نصبنا وشرعنا ؛ فلا يقتضي مفعولا ثانيا كقوله : ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وقال بعضهم في تأويل الآية : وما جعلنا صرفك عن القبلة التي كنت عليها إلّا للمحنة في تحويل القبلة لا في نفس القبلة . قال ابن جرير « 1 » : وقد ذكر أنّه أريد رجال ممّن كان أسلم ، وأظهر كثير من المنافقين نفاقهم وقالوا : ما بال محمّد يحوّلنا مرّة إلى هاهنا ومرّة إلى هاهنا ؟ وقال المسلمون : كيف تكون صلواتنا إلى البيت المقدّس ؟ قد بطلت أعمالنا وضاعت وكيف تكون صلاة من مضى من إخواننا ؟ وقال المشركون : قد تحيّر محمّد في دينه ؛ وكلّ ذلك كان فتنة للناس وتمحيصا للمؤمنين ؛ وذكر أنّ جماعة من اليهود قالوا للمسلمين : أخبرونا عن صلاتكم نحو بيت المقدّس أكانت هدى أم ضلالة ؟ فإن كانت هدى فقد تحوّلتم عنها ، وإن كانت ضلالة فقد دنتم اللّه بها . فقال المسلمون : إنّما الهدى ما أمر اللّه به والضلالة ما نهى اللّه عنه . وقوله : إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ . روى عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس أنّه قال : إلّا لتمييز أهل اليقين من أهل الشكّ ، فيتميّز قوم من قوم بانكشاف ما في قلوبهم من اليقين والإخلاص أو الشكّ والنفاق ؛ فيعلم المؤمنون من يوالون منهم ومن يعادون ؛ فسمّى التمييز علما ؛ لأنّه أحد ما يميّزه العلم ، وسمّى باسمه ما يؤول إليه ، كما أنّ الكتاب يسمّى علما لأنّ فيه بيان علمه . وقال بعض أهل المعاني « 2 » : إلّا ليعلم رسولي وحزبي وأوليائي ، ومن شأن العرب إضافة فعل اتّباع الرئيس إليه ، كما يقال : فتح عمر سواد العراق وجبى خراجها ( 263 ب ) ورجم رسول اللّه ما عزا ؛ وروى أبو هريرة - رضي اللّه عنه - عن النبيّ - صلّى اللّه عليه وسلّم - قال : يقول اللّه - عزّ وجلّ - : « استقرضت عبدي فلم يقرضني وشتمني عبدي ولم يكن ينبغي له أن يشتمني يقول : وادهراه وأنا الدهر » وفي الحديث « مرضت فلم تعدني واستطعمتك فلم تطعمني » 8 وعلى هذا المعنى حمل قوله : فَلَمَّا آسَفُونا وقوله : يُحَادُّونَ اللَّهَ و يُحارِبُونَ اللَّهَ وهذا اختيار ابن جرير ؛ وقول الفرّاء معنى قوله : لِنَعْلَمَ أي لنقرّر عندكم علم ذلك ، ونحن نعلم الكائنات قبل كونها ؛ وليس هذا التأويل ممّا يطابق اللفظ ؛ وقال آخرون : لِنَعْلَمَ أي

--> ( 1 ) . في الهامش عنوان : المعاني والقصة . ( 2 ) . في الهامش عنوان : المعاني والتأويل .