محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

651

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

لنرى ، والعرب تضع العلم مكان الرؤية والرؤية مكان العلم ؛ وروى الضحّاك هذا القول عن ابن عبّاس ؛ وقال آخرون : معناه ليتّبع المتّبع ؛ فيكون العلم علما به ، ومثله قول القائل : ما علم اللّه هذا منّي ، أي لم يكن ذلك منّي فيعلمه اللّه ، وعلى مثل هذا يحمل قول : أَ تُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ أي بما لا يكون ، فيعلمه ؛ ومثله قوله : حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ أي حتّى يكونوا مجاهدين . وقوله : وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً يريد وإن كانت التولية عن بيت المقدّس إلى الكعبة لثقيلة مستنكرة عظيمة في صدور الناس ، وهذا قول ابن عبّاس وعكرمة ومجاهد وقتادة ؛ وقال أبو العالية : وإن كانت قبلة بيت المقدّس والصلاة إليها ستّة عشر شهرا لكبيرة أي كبرت عليهم ، لمفارقتهم قبلة آبائهم . إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ووفّقهم للتصديق ؛ وقوله : وَإِنْ كانَتْ أي لقد كانت . قال سيبويه : « إِنْ » تأكيد شبيه باليمين ، ولذلك دخلت اللام في جوابها ؛ ونحوه قال الزجّاج قال : هذه اللام إذا لم تدخل مع أنّ الخفيفة كان الكلام جحدا ، ولولا اللام كان المعنى ما كانت كبيرة ؛ فإذا اجتمع إن واللام فمعناهما التوحيد للقصّة . وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ أي صلاتكم إلى بيت المقدّس ، هذا قول البراء وأبي عبد الرحمن السلمي وابن عبّاس في رواية الكلبي وعطاء والضحّاك وعكرمة وهو قول مقاتل وابن زيد وقتادة وابن جريج والربيع ؛ وتسمّى الصلاة إيمانا لأنّها من شرائع الإيمان ، واللّه تعالى لا يضيع إيمان المؤمنين . فنبّهوا بالجملة على التفصيل . قال الكلبي : كان تحويل القبلة بعد موت سعد بن زرارة والبراء بن معرور وكانا من النقباء ( 264 آ ) فسأل الأنصار رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - عمّا سلف من صلاتهم وصلاة إخوانهم الذين ماتوا . قال مقاتل : قد مات رجال غير هذين ، وقيل : إنّ اليهود عيّروهم بذلك وقالوا : إن كان التحويل حقّا فقد ضاعت صلاة إخوانكم . وقال بعض أهل المعاني « 1 » : كما لا يضيع صلاتكم إلى الكعبة لأنّها كانت بأمر اللّه كذلك لا يضيع صلواتكم إلى البيت المقدّس لأنّها كانت بأمر اللّه ؛ وقال ابن جرير : الإيمان بمعنى

--> ( 1 ) . في الهامش عنوان : المعاني .