محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

1085

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

والغاصب الذي سيأتي قد اقترب منّي ؛ وكفر الغلام الذي سيقع قد وقع لي ؛ والحائط الذي سينقضّ قد انقضّ لي ؛ أنا لا أحكم زمانيا ، لأنّ حكمي فوق الزمان . لا بدّ أن تمرّ عليك سنة لتجدني ، وأنا أجدك في لحظة . أصل بلحظة واحدة من المشرق إلى المغرب ، المكان والزمان تحتي ، وأنا فوق الزمان وفوق المكان ، كلّ حكم أصدره ليس زمانيا . موسى يقول : نعم ، صحيح ، لكن أسباب الأعمال ينبغي أن تسبق لتصدر الأحكام بناء على الأسباب . لم يظهر السبب إلى الوجود فكيف تصدر الحكم ؟ ! ما زال الغلام لم يكفر ، فكيف تصدر حكم الكفر ؟ ! وما زال الجدار لم يسقط ، فكيف تصدر حكم الساقط ؟ لم ير أحد قطّ إطلاق الأحكام قبل الأسباب . يقول الخضر : في عالم الأسباب ، تقدّم الأسباب على الأحكام ، ولكن في عالم انعدام الأسباب تطلق الأحكام دونما سبب ، تطلق الأحكام بالأمر ، تطلق الأحكام بالعلم ، ويطلق الحكم بالمشيئة : « فهي بمشيئتك دون قولك مؤتمرة ، وبإرادتك دون وحيك منزجرة . » 201 الذي هو معلوم محكوم ، والذي يراد محتوم . يقول موسى : فعلام التكليف ؟ لم إرسال الأنبياء - عليهم السلام - ؟ ولمن الأوامر والنواهي ؟ كيف تطبّق الشرائع والأحكام ؟ وأين العدل والشريعة ؟ أنت - دونما سبب - تتلف أموال الفقراء ، وبدون موجب تسفك دما غير مباح ، وبدون أجر تؤدّي أعمال آخرين ، وتقول : أحكم بالعلم ! أحكم بالإرادة والمشيئة ! فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها ، فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْراً مِنْهُ زَكاةً ، فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما . أين يبقى لي تكليف ؟ وكيف يصبح حكم الشريعة ؟ وإلى أين يتّجه الأمر والنهي ؟ [ المفروغ والمستأنف ] يقول الخضر : يا موسى ! لقد أخطأت حيث اعتبرت الحكم واحدا ، وللّه تعالى في مجاري الأحكام ، حكمان : أحدهما مفروغ ، والآخر مستأنف . الأوّل قد انتهى ، والآخر يبدأ . أحدهما قد قدّر ، والآخر يتّجه للتكليف . أحدهما : وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ ، والآخر : وَجَعَلَ كَلِمَةَ