محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

1086

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا . أحدهما : ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ . والآخر : وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ . ولمّا كان ثمّة حكمان ، فثمّة حاكمان قاضيان : أحدهما قاض يقضي بحكمه ، والآخر قاض يقضي بشاهدين وقسم . أحدهما قاضي الشريعة ، والآخر قاضي القيامة . حكم قاضي الشريعة العدل في الشريعة ، وحكم قاضي القيامة العدل في القيامة . عدل الشريعة شاهد وقسم ؛ وعدل القيامة علم ومشيئة . أنت قاضي الشريعة ، لا تحكم ما لم تر أو تسمع ؛ وأنا نائب قاضي القيامة ، حكمت إذ علمت ، وعملت إذ أردت . بالنسبة لك : « اعملوا تؤجروا » ، وما لم تعمل لا تؤجر ، وما لم تؤجر لا تعمل ؛ وأنا أعمل بدون أجر ، وأوجر بدون عمل : « وكلّ ميسّر لما خلق له . » يقول موسى : لمّا كان الحال كذلك ، فما فائدة التكليف ؟ ولمّا كانت الأعمال مفروغة فما فائدة الاستئناف ؟ لمّا كان المسلم مسلما ، فما فائدة أسلم ؟ لمّا كان الكافر كافرا ، فما فائدة لا تكفر ؟ لمّا جاء : سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ * فما فائدة قُمْ فَأَنْذِرْ ؟ لمّا كانت الكلمة قد قضيت ، ولا يكون غير الذي قضي ، فما فائدة الحكم ؟ ! إذا لم يرفع هذا الحكم ذاك الحكم ، فيستلزم الظلم في التكليف . الخضر يقول : التكليف مظهر التقدير ، والتقدير مصدر التكليف . ما كان في التقدير لا يظهر إلّا بالتكليف ؛ وما كان في التكليف لا يظهر إلّا بتقدير ، فظهرت الفائدة . المفروغ يظهر في المستأنف ، والمستأنف يظهر من المفروغ ، ومع ذلك فالمفروغ مفروغ والمستأنف مستأنف . أنا حاكم المفروغ وأنت حاكم المستأنف . أنا رجل التأويل وأنت رجل التنزيل . أنا أحكم على الباطن وأنت على الظاهر ؛ وكلا الحكمين معا حقّ : وكلّ مجتهد مصيب . اتضح من هنا أنّه لا حكمي يرفع حكمك ، ولا حكمك يرفع حكمي . لا يستلزم حكمي عجزا ، ولا يستلزم حكمك ظلما . ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ لتعلم أنّه ليس ثمّة عجز ، وَما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ لتعلم أنّه ليس ثمّة ظلم . لمّا كان في هذا العالم خير مطلق ، وشرّ مطلق ، وخير وشرّ بالإضافة ؛ فإنّ ما هو خير