محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
1084
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
لتفرع الشجرة غصنا آخر ؛ وهذا جائز في العقل والشرع . وأمّا الحادثة الثالثة : فإنّ اختيار مصلحة الآخرين ونفعهم على حساب تعبي وضرري من مكارم الأخلاق ؛ فذلك الجدار كان علامة كنز ليتيمين ، وإن أنهار ذهبت العلامة وضاع الكنز وحرم اليتيمان ، وكان لهما أب صالح . يقول موسى : الأولى تصرّف في مال شخص بدون إذنه في الحال ، والغصب الذي سيأتي في ثاني الحال ، وأنت في هذه الحالة غاصب بل ظالم ، وربّما جاء ذلك الغاصب وربّما لم يأت ؛ والثاني تصرّف في نفس شخص دون ذنب في الحال ، ومن حيث الكفر الذي سيأتي في ثاني الحال ؛ وأنت في هذه الحالة قاتل وظالم ، وذلك الكفر قد يحصل وقد لا يحصل ؛ والثالثة تصرّف في النفس وايذاؤها بالجوع والحيرة ، وهو عمل لا طائل تحته ، ومن الممكن أن يسقط الجدار ومن الممكن أن لا يسقط ؛ وإن اتّخذت أجرا عليه فذلك أولى . يقول الخضر : « لعل » و « لعل » لك ، لأنّك موسى ، وفي عالم لعلّ وربّ ، في عالم الشكّ والشبهة ، وأنا في عالم اليقين : ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ . كلّ ما هو لك شكّ ، فهو لي يقين ؛ كلّ ما هو لك ممكن ، فهو لي واجب . أنت تقول : لعلّ الغاصب لا يأتي ، وإذا أتى قد لا يأخذ السفينة ؛ لعلّ هذا الغلام يبلغ ولا يكفر ، وإن كفر قد لا يتعدّى كفره لوالديه ؛ لعلّ هذا الجدار لا يسقط ، وإن سقط فقد يعمّره آخر ؛ وأنا أرى بعين اليقين أنّ الغاصب يأتي ، وأعلم يقينا أنّ ذلك الغلام يكفر ، وأعلم يقينا أنّ ذلك الجدار ينقضّ . حكمي على أساس اليقين ، وحكمك على الشكّ . عليك أن تتوقّف ليتبدّل شكّك يقينا ، وعليّ أن لا أتوقّف . موسى يقول : هذه الأحكام التي تؤدّيها أحكام المستقبل وأنا أحكم بحكم الحال ؛ وحادثة اليوم يجب أن نحكم فيها بحكم اليوم ، ولغد حكم الغد . ما زال الغاصب لم يأت فكيف تحكم بمجيئه ؟ ! الغلام لم يبلغ رشده ولم يكفر ، فكيف تحكم عليه بالكفر ؟ ! الحائط لم يسقط ، فكيف تحكم عليه بالسقوط ؟ ! الخضر يقول : أمس واليوم وغد زمان ، وأنت رجل زمان ، عليك أن تحكم زمانيا . وأنا لست برجل زمان ، الأمس واليوم والغد بالنسبة لي واحد ، كلّ ما سيقع قد وقع بالنسبة لي ،