محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
639
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
في الإسلام بالمعنى والحقيقة . وكلّ ما يورده الأنبياء - عليهم السلام - من الدين والشرع صبغة على نفوسهم ونقشا على عقولهم وصورة على أوضاعهم فهو مطابق لأصل فطرتهم وموافق لوضع خلقتهم . واليهود والنصارى يخرجونهم من الفطرة الحنيفية تعليما بغير حقّ ويدخلونهم في ماء المعمودية رعاية للصورة وتركا للحقيقة . فاللّه تعالى حثّهم على رعاية الصبغة الفطرية وهي صبغة اللّه ودين اللّه وسنّة اللّه وخلقة اللّه وفطرة اللّه ، وكلّ الأقوال صحيحة ؛ وتلك الفطرة هي الحاجة إلى فاطر فطره في الأرحام طورا بعد طور تكميلا لخلقه ، والحاجة إلى حاكم يحكم عليه في الحركات حالا بعد حال تكميلا لأمره ؛ فيكمل الخلق بالأمر ، والفطرة بالصبغة ، والطهارة بالشهادة ؛ فتحصل له فطرتان : فطرة من حيث الخلق وهي بتوسّط الملائكة ، وفطرة من حيث الأمر وهي بتوسّط الأنبياء - عليهم السلام - ، فسمّى الفطرة الثانية صبغة اللّه ؛ إذ الأولى ربّما تتغيّر ؛ فأبواه يهوّدانه وينصّرانه ويمجّسانه ؛ والثانية صبغة اللّه لا تتغيّر : وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً . أليس كان آدم - عليه السلام - على الفطرة الأولى في الجنّة الأعلى ؛ فتمكّن اللعين من دخول جنّته وتغيير فطرته ، فأهبط إلى الدنيا وتلقّى من ربّه كلمات ؛ فتاب عليه ، واجتباه واصطفاه وصبغه بالفطرة الثانية ؛ فرجع إلى الجنّة ، ولا يطور بجنابها شيطان : إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ * ( 258 ب ) ؟ ! وما لم يحصل للإنسان الفطرتان لم يصل إلى معاده وكماله ؛ فلذلك سمّي الفطرة الأولى فطرة ، وهي كالمادّة التي فيها بالقوّة شيء ، وسمّي الفطرة الثانية صبغة ، وهي كالصورة التي ظهرت من القوّة إلى الفعل ؛ فمن أنكر النبوّة فلا صبغة له ؛ فلا فطرة له ؛ فلا مبدأ له ؛ فلا معاد له . قوله - جلّ وعزّ - : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 139 ] قُلْ أَ تُحَاجُّونَنا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ وَلَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ ( 139 ) النظم لمّا بيّن الربّ تعالى فطرة اللّه وصبغة اللّه أبطل على اليهود والنصارى محاجّتهم في اللّه ومجادلتهم في دين اللّه .