محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

1047

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

الأسرار قال الذين استوت ظواهرهم وبواطنهم : إنّ الآية محكمة لا نسخ لها وعامّة لا تخصيص فيها ؛ وفي قوله : وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ دليل على أنّ الخواطر التي تطرأ على القلوب وتزول من غير اختيار العبد خارجة عن الآية ؛ فإنّ الإبداء والإخفاء إنّما يجريان في المكتسبات الاختيارية لا في الخواطر الغير الاختيارية ، وكلّ ما هو مكتسب فهو محاسب عليه سواء كان من كواسب القلوب أو من كواسب الظواهر ، وإنّما اشتدّت وقعة الآية على قلوب الصحابة حتّى احتجّت على النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله - بأنّ هذا تكليف ما لا يطاق لسرّ في قلوبهم ، بل الاحتجاج عليه نفس ذلك السرّ ، حتّى أجابهم بأنّها : « كذا أنزلت أتقولون مثل ما قالت بنو إسرائيل : سمعنا وعصينا ؟ قولوا : سمعنا وأطعنا . » ولو أنّهم فطنوا لمبدأ الآية ، إذ قال : وللّه ما في السماوات وما في الأرض حكما وأمرا وملكا وملكا لم يعترضوا على حكمه بأنّه يحاسب على الظواهر والسرائر ، وإلّا كيف ينتظم قوله : لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وقوله : وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ ؟ ! بل أمره تعالى يجري على المشيئة والحكم : لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ إن شاء حاسب على الخواطر وإن شاء لم يحاسب ، وإن شاء غفر وإن شاء لم يغفر ، لا علّة لصنعه ، فيقال : لم فعلت ؟ ولا جور في قضيّته فيقال : لم قضيت ؟ ليس لنا من الأمر إلّا ما قضى ولا من الخير إلّا ما أعطى . وسرّ آخر : هو أنّ الخواطر صيرورته غير مكتسبة لكنّ الإنسان إنّما تذهب نفسه إلى الخواطر المتفرّقة التي لا يبدونها ، ولو أنّ لهم الدنيا بحذافيرها ، لأنّهم لم يمسكوا عنائن النفس عن الاسترسال إلى كلّ واد قبل ذلك ، ولم يصرفوها إلى جهة الأمر والسمع والطاعة لأولي الأمر ؛ فلم يبال اللّه في أيّ واد يهيمون فيهلكون ، ويحاسبهم حساب من ترك الأسباب ، فوقع في تبعات المسبّبات . ثمّ ذكر بعده أنّ الإيمان بما أنزل اللّه كيف يجب أن يكون .