محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

1035

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

الأسرار قال المتّقون : الرجوع إلى اللّه تعالى يدلّ على أنّ المبدأ كان منه وكان المعاد إليه ؛ فعلى المعنى الذي كان المبدأ منه كان بذلك المعنى المرجع والمعاد إليه ، وإذ كان الإبداء منه إبداعا وخلقا كان المعاد إليه أيضا إيداعا وخلقا . لكن المبدأ منه بعث الأرواح إلى الأجساد ، والمعاد إليه بعث الأجساد إلى الأرواح ؛ فيدلّ ذلك أنّ المعاد بالجسماني لا بالروحاني ؛ فإنّه إن كان المراد منه بعث الأرواح إلى العالم الروحاني كما ذكره حكماء الفلسفة فذلك البعث بعث الأرواح ، وقد سبق ذلك حين بعث إلى الأجساد ، وكلّ روح فارقت قالبها فقد بعثت إلى الأرواح ؛ فلا يحتاج إلى يوم معيّن للمعاد والمرجع والمآب . وسرّ آخر : من رجع إلى اللّه في ما هو فيه من كلّ أمر اختياري أو غير اختياري كان مرجعه إلى اللّه في القيامة ، وكما رضي عنه اليوم بالرجوع إليه كذلك يرضى عنه غدا إذا رجع إليه ؛ والرجوع إلى اللّه تعالى في مجاري التكليف الرجوع إلى رسول اللّه وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ شرط المغفرة . فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ شرط الإيمان ، وكذلك الرجوع إلى اللّه في مجاري التقدير هو الرجوع إلى أولياء اللّه بذكر كلماتهم الشريفة ودعواتهم اللطيفة ؛ فيندفع بها سوء القضاء وشماتة الأعداء ؛ ( 424 ب ) فلا بدّ إذا من مرجع في الدنيا والآخرة والتكليف والتقدير ، ومن لا مرجع له فلا وجود له . لكن فرق بين مرجع ومرجع ، فعلى العموم مرجع الكل هو اللّه - عزّ وجلّ - وبالخصوص هو تعالى مرجع المؤمنين الذين يقولون : إنّا للّه وإنّا إليه راجعون ، وإنّ الكافرين لا مرجع لهم ولا مولى لهم ، ومن كان مرجعه في الدنيا فهو مرجعه في الآخرة ، ولربّما لم يجد مرجعا فيقول : رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ فلا يمكّن من ذلك . وسرّ آخر : لمّا كانت هذه الآية آخر آية نزلت ولم تنزل بعدها آية كانت مساسته في القلوب أشدّ وأوقع ، ومعانيها في العقول أوكد وأرفع ، ويجب أن تكون جامعة لجميع ما اشتمل عليه الوحي والرسالة ، وفيها الأمر بتقوى اللّه والإيمان بيوم لا ريب فيه ، والتصديق بالمعاد والرجوع إلى اللّه وتوفية الجزاء على الاكتساب ، وكلمة التقوى هي كلمة لا إله إلّا اللّه ، وهي سلالة الديانة ، وفيها جوامع الكلم . وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى يعني لا إله إلّا اللّه ؛