محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
1019
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
إلزام الحجّة ، وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ ، والهدى الذي هاهنا بمعنى الاهتداء . وقوله : وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ شرط وجزاؤه فَلِأَنْفُسِكُمْ والخير هاهنا بمعنى المال . وَما تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ اللَّهِ . قيل : هذا خبر ومعناه النهي ، أي لا تنفقوا إلّا ابتغاء وجه اللّه ؛ وأكثر أهل المعاني « 1 » أجروا حكمه على الخبر ، أي لستم ممّن ينفق إلّا ابتغاء وجه اللّه وطلب مرضاته ، وذلك نيّة المسلم سواء أنفق على مسلم أو على كافر . والوجه هاهنا مرضاة اللّه بالإنفاق . وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ شرط وجزاؤه يُوَفَّ إِلَيْكُمْ أي جزاؤه وثوابه . وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ أي لا تنقصون من ثواب الإنفاق . الأسرار قال المنفقون لوجه اللّه : الآية دلّت على حكمي المفروغ والمستأنف ، ولو لم يجر الحكمين ها هنا تعذّر الجمع بين قوله : لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وبين قوله : أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى ، * وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ؛ فإن لم يكن عليه تكليف الهداية كيف أرسله بالهدى ؟ لكنّك إذا عرفت الكونين وأجريت الحكمين حملت قوله : وَإِنَّكَ لَتَهْدِي على حكم المستأنف ، وعليه مبنى الدعوة والشريعة وحملت قوله : لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ ( 418 ب ) على حكم المفروغ وعليه مبنى التقدير والقيمة ؛ وكما تمايز الحكمان من غير تضادّ بينهما ؛ فإنّ أحدهما حكم الأوّل والظاهر ، والثاني حكم الآخر والباطن ؛ وصاحب حكم المستأنف هو صاحب الشريعة ، وصاحب حكم المفروغ هو صاحب القيامة . فكيف يتناقضان وأحدهما حاكم يحكم بشهود وأيمان ، والثاني حاكم يحكم بعلمه ؛ وأحدهما يعدل وعدله التسوية بين الخصمين في النظر والاستماع والجلوس على المسح ، والثاني يعدل وعدله أن لا يسوّي بينهما في شيء ما من ذلك ؛ ومن رفع حكم الهداية عن الهادي يلزمه أن يرفع حكم الضلال عن المضلّ ؛ فإنّ نسبتهما إلى المهتدي والضالّ نسبة واحدة ، لكنّ المضلّ مكلّف بأن لا يضلّ ، ومعاقب على إضلاله ، كذلك الهادي يجب أن يكون كذلك في حكم التكليف .
--> ( 1 ) . في الهامش عنوان : المعاني .