محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

1020

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

وسرّ آخر : الإنفاق على البرّ والفاجر على نحو عموم الرحمة بالرزق من اللّه تعالى عليهما ، وتخصيص البرّ عن الفاجر في بعض الأحوال على نحو خصوص الرحمة باللطف من اللّه تعالى على أحدهما ، ولا بدّ من مراعاة العموم والخصوص في جميع الأحكام كما ذكرنا ، وكلّ ما في هذه الآية على صيغة الأمر فهو حكم المستأنف والشريعة ، وما فيها على صيغة الخبر فهو حكم المفروغ والقيامة . قوله - جلّ وعزّ - : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 273 ] لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ( 273 ) النظم لمّا بيّن الربّ تعالى حكم الإنفاق والمنفقين وطيب النفقات عقّب ذلك بذكر مصارف الصدقات ، فابتدأ بتجويز الصدقة على البرّ والفاجر ، وعقّب ذلك بالفقراء الذين أحصروا في سبيل اللّه . التفسير وللمفسّرين في لام لِلْفُقَراءِ كلام أهي متعلّقة بما قبلها أم بما بعدها ؟ ولا بدّ من إثبات محذوف . قال بعضهم : « 1 » تقديره هذه الصدقات التي ذكرت للفقراء ، وقال بعضهم : خبره محذوف تقديره للفقراء حقّ واجب ؛ وقال أكثرهم : للفقراء المهاجرين أصحاب الصفّة كانوا نحوا من أربع مائة رجل لا مأوى ولا مسكن لهم في المدينة ولا مال لهم منه ينفقون ، ولا يمكنهم الخروج من أرض المدينة خوف العدو ، قد أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أي منعوا في طاعة اللّه عن التقلّب في أرض اللّه . قال قتادة : حبسوا أنفسهم في طاعة اللّه للعدوّ ؛ فلا يتفرّغون إلى طلب الدنيا . قال ابن زيد : من كثرة ما جاهدوا وصارت الأرض كلّها حربا

--> ( 1 ) . في الهامش عنوان : النحو .