محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
1003
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
وشبّه حالهم بالصفوان عليه تراب ، ومآل حالهم بإصابة الوابل حيث تركه صلدا ؛ إذ كانت قلوبهم كالصفوان وصدقاتهم وعباداتهم كالتراب اليسير على الصفوان ؛ والوابل كأحكام القيامة يتركه صلدا لا يقدرون على شيء ممّا كسبوا . والصفوان : له صفتان صفوة وصلابة ، والصفوة على ظاهره والصلابة في باطنه ، وهو المنافق ، قلبه أشدّ من الحجر الصلب ولسانه ألين من الزبد وعمله كالتراب عليه يستره في الحال ولا ينفعه في المآل ؛ ولو لم يكن تحت التراب صفوان لأنبت القلب ترابه من جبّة الكلمة ؛ بوابل التوفيق والتأييد ، من أسرار التأويل وأحكام التنزيل ، سبع سنابل في كلّ سنبلة مائة حبّة لكنّه منع الحبّة من الرسوخ ، فلم تعرق ، وإذ لم تعرق فلم تنبت ، وأصابه الوابل ، فتركه صلدا ، فلم ينفع ؛ ومقادير أعمال المنافق والمرائي كمقادير التراب الذي على الصفوان ؛ فإنّ منهم من يصلّي ويصوم كثيرا فلا يجاوز إيمانه تراقيه ، ومنهم من يعلم ويعمل كثيرا فلا يرتقي بعلمه وعمله مراقيه ، والنجاة بالإيمان ، وإنّما العلم درجات لأهله أو دركات . وسرّ آخر : المنّ دون الأذى ، والأذى دون الرياء ، والرياء دون النفاق في حكم الشريعة ، لكنّ المنّ والأذى في الصدقات المالية والرياء والنفاق في الطاعات البدنية ؛ والمنّ والأذى يبطلان الصدقات فلا تزكو عند اللّه على أنّها تزكو في الشريعة نفعا للمسلمين ومعونة لأهل الدين ؛ والرياء والنفاق يبطلان الطاعات ؛ فلا تقبل عند اللّه وإن كانت تقبل في الشريعة ؛ فيرتفع عنهم السيف والسبي والغنيمة ؛ فلا تستبعد من صاحب الشريعة - صلوات اللّه عليه وآله - أن يحمد إنسانا على مال ينفقه أو عبادة يقيمها وهو يعلم الرياء والنفاق من العابد ، ويسمع المنّ والأذى من المنفق ( 412 ب ) فإنّ ذلك حكم الشريعة ؛ ولا يستبعد من اللّه تعالى أن يذمّ إنسانا على مال ينفقه أو عبادة يقيمها وهو يرى الإنفاق من المنفق والعبادة من العابد ولا يزكو ذلك عند اللّه ؛ فإنّ ذلك حكم القيامة ؛ وفي هذه الآية بيان الحكمين وإثبات الكونين وحكم القيامة فيها أظهر ؛ فإنّ المثل يدلّ على إبطال الصدقة وإحباط العمل . وسرّ آخر : إن أردت أن تشخص الأعمال وتعيّن الأشخاص فالمانّ والمؤذي شخصان ، والمرائي والمنافق شخصان ، ولم ينصب القتال على التأويل إلّا على الشخص الأخير ، والأخير شرّ ، وكلّهم قد رضوا بالحياة الدنيا مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفِّ