محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
994
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
صرنا به الحكم وأعيا الحكما وقوله : ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً اللفظ عام ومعناه خاصّ ؛ لأنّ الأجزاء لا تبلغ الجبال كلّها ، وربّما دلّت قرينة الحال على حال مخصوصة كانت نصب عينيه . قال المفسّرون : « 1 » أمر اللّه تعالى خليله - عليه السلام - أن يذبح الطيور وينتف ريشها ويقطعها ويفصل أوصالها ويخلط ريشها ولحمها وعظمها ودماءها بعضها ببعض ، ثمّ أمره أن يجعل أجزاءها على الجبال . قال قتادة والربيع وابن إسحاق وابن عبّاس : أمره أن يجعل كلّ طائر أربعة أجزاء ثمّ يعهد إلى أربعة أجبل ، فيجعل كلّ جزء على كلّ جبل . وقال ابن جريج والسدّي : جزّأها سبعة أجزاء ووضعها على سبعة أجبل ، ففعل ذلك وأمسك رؤوسهنّ عنده ثمّ دعاهنّ : تعالين بإذن اللّه ، فجعل كلّ قطرة من دم وكلّ ريشة وكلّ عظم ولحم إلى ضميمتها حتّى تكاملت أشخاصها في الهواء من غير رأس . ثمّ أقبلن إلى رؤوسهنّ فكلّما جاء أشار بعنقه إلى رأسه فاتّصل به ، وكان إبراهيم ربّما يشير إلى واحد بغير رأسه فيمتنع الطائر ويتباعد فذلك قوله : يَأْتِينَكَ سَعْياً أي مسرعة . وقال ابن عبّاس ومقاتل في رواية : ثمّ اجعل على كلّ جبل منهنّ جزءا أي اجعلهنّ في أرباع الدنيا ؛ وقال الربيع وقتادة : أي كما جمعت أجزاء الطيور من أرباع الدنيا كذلك أجمع أعضاء الناس من أقطار الدنيا . والسعي المشي بسرعة ، وهو نصب على المصدر أو بنزع الخافض أي بالسعي ، والسعي بالماشي أولى والطيران بالطائر أولى « 2 » ، لكن لمّا كان الطائر بغير رأس كان يسعى ولا يطير ، والتأمّل في المشي أكثر من التأمّل في الطيران . قال الخليل : يجوز أن يرجع السعي إلى الخليل - عليه السلام - ومعناه يأتينك ( 409 آ ) وأنت تسعى سعيا .
--> ( 1 ) . في الهامش عنوان : التفسير والقصّة . ( 2 ) . في الهامش عنوان : المعاني .