محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
995
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
قال مقاتل : أمر إبراهيم بهذا قبل أن يولد له وهو ابن خمس وسبعين سنة وهو بالشام ؛ وكذلك قال الكلبي . وقوله وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ قادر على كلّ شيء حَكِيمٌ في أفعاله محكم لكلّ شيء . الأسرار قال المتّبعون لملّة إبراهيم على طلبه وسؤاله ويقينه وكماله : إنّ الأنبياء - عليهم السلام - لا يقصر نظرهم عن نظر العاقل المتكلّم ؛ إذ يعلم الإنشاء ويستدلّ به على الإعادة ؛ وسؤالهم في أمثال هذه المواضع لأحد أمور ثلاثة : إمّا لطلب العيان بعد الإيمان ، وإمّا لرؤية الإحياء في أنفسهم لا في غيرهم ، وإمّا لتحقيق الإحياء بأنفاسهم في غيرهم ؛ والأوّل قد دلّ عليه ظاهر الآية وأقوال المفسّرين . قال : أو لم تؤمن أي لم تصدّق ؟ قال بلى ، ولكن أطلب العيان ، فتسكن إليه نفسي ويطمئنّ به قلبي ؛ والثاني دلّ عليه قصّة عزير - عليه السلام - حين أماته اللّه مائة عام ثمّ بعثه ، وقصّة الفتية في الكهف حتّى قال : وَكَذلِكَ أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ والثالث وهو الدرجة العليا والغاية القصوى لأنفاس أشخاص النبوّة ؛ إذ جعلها اللّه سببا لإحياء الموتى . والعجب أنّه - عليه السلام - سأل ربّه كيف يحيي الموتى ، وليس في الآية فعل أضافه اللّه تعالى إلى نفسه في الإحياء ، قال : فخذ أربعة من الطير حتّى أضاف فعل الأخذ إليه ، فصرهنّ إليك : أملهنّ وقطعهنّ إليك حتّى أضاف الصور والقطع إليه ، ثمّ اجعل على كلّ جبل منهن جزءا حتّى يكون فعل الحمل والوضع إليه ، ثمّ ادعهنّ يأتينك سعيا حتّى يكون الدعاء إليه والإتيان إليه . فطلب الخليل - عليه السلام - كيف تحيي الموتى ؟ فأجابه كما تحيي الموتى بدعوتك . فجعل نفسه نفسه الإحياء وهو الكمال كما جعل نفس المسيح - عليه السلام - نفس الإحياء وهو الكمال . وسرّ آخر : إن كنت لا تسلم ما بين أنفاس الأنبياء - عليهم السلام - في إحياء الأجساد والأشخاص فلا شكّ أنّك تسلم تأثيرها في النفوس والأرواح . إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ على نسق ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً : ولقد كان للداعي الأوّل أربعة من الطير وللداعي الأخير