محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

989

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

إنّ ابتداء الإبداء كان على ترتيب سلالة ونطفة وعلقة ومضغة خلقا من بعد خلق ( 406 ب ) وقد لازمه الزمان والمادّة والمكان وهي المبادئ والأسباب ؛ وإنّ انتهاء الإعادة ما كان على ذلك الترتيب ولا احتاج إلى المبادئ والأسباب ، وإلّا فالعظام ننشزها ثمّ نكسوها لحما في الموضعين على وتيرة واحدة ؛ وكما أنّ عزيرا - عليه السلام - ما كان في الابتداء يتعلّم التوراة إلّا من معلّم على ترتّب كلمة بعد حرف ، وآية بعد كلمة ، وسفر بعد آية ، كذلك ما كان في ابتداء الخلقة يتخلّق شخصا إلّا من خالق حكيم على ترتيب نطفة بعد سلالة ، وعلقة بعد نطفة ، ومضغة بعد علقة ، وعظام بعد مضغة ؛ وأما في الإعادة فقد حصل له علم التوراة وآياته وكلماته دفعة واحدة ، كذلك في الإعادة فقد حصل الشخص الكامل بجميع أعضائه وأبعاضه دفعة واحدة ؛ فتبيّن له أنّ اللّه على كلّ شيء قدير . ومنها أنّ الزمان المتوسّط في الإماتة والبعث كان مائة سنة ، وهو على ظنّه يوم أو بعض يوم ، كما أنّ لبث الفتية في كهفهم ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعا ، وهو على ظنّهم يوم أو بعض يوم ، غيبة حصلت لهم وغيبة حصلت لعزير ، وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد ، وحماره واقف لم يبرح من مكانه ؛ فمن الناس من يجعل تلك الغيبة موتا ، والحضور بعثا ، والشخص على حاله ، ولم يؤثر فيه مرور السنين ، ونومه كموته والنوم أخو الموت ؛ ومنهم من تحقّق الموت على حقيقة والروح على مفارقتها ، وإنشاء التركيب بصورته ، وإعادة الروح على مواصلتها ، وكلا الأمرين عندنا عجيب ، وما ذلك على اللّه بعزيز . والزمان في اليوم قصير وفي الموت أقصر ، وليس عند ربّنا صباح ولا مساء ؛ ومن لم يؤثّر فيه الزمان بالكون والفساد لم يؤثّر فيه المكان بالإحالة والإفساد ، وقد اتّفقت مثل هذه الحالات للأنبياء والأولياء - عليهم السلام - واتّفقت أو ستتّفق في الأمّة الأخيرة أمثالها « وكائن في أمّتي ما كان في الزمن الأوّل حذو القذّة بالقذّة والنعل بالنعل حتّى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه . » 179 وسرّ آخر : أنّ اليهود لمّا رأوا من عزير علما بالتوراة من غير تعلّم من المعلّم ، ورأوا حضورا بعد غيبة أو بعثا بعد موت ، ثمّ ظنّوا أنّ أخصّ أوصاف النسبة إلى اللّه - عزّ وجلّ - نسبة البنوّة ؛ قالوا : عزير ابن اللّه ؛ وأنّ النصارى لمّا رأوا من المسيح حصولا ( 407 آ ) من غير