محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
984
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
قال : يا إرميا ! من قبل أن خلقتك اخترتك ، ومن قبل أن صورتك في رحم أمّك قدّستك ، ولأمر عظيم اجتبيتك . فبعثه إلى ملك بني إسرائيل ليسدّده ويدعوه إلى ربّه ؛ وكانت الأحداث فيه قد كثرت والمعاصي قد ظهرت والمحارم قد استحلت ؛ فأوحى اللّه تعالى إلى إرميا أن ذكّرهم نعمي وحذّرهم مخالفتي وادعهم إلى طاعتي . قال إرميا : يا ربّ ! إنّي ضعيف إن لم تقوّني ، عاجز إن لم تنصرني . فقال تعالى : إنّي ناصرك ومعينك . فقام خطيبا يذكر في آخر الخطبة : وإنّي أحلف بعزّتي لأقيضنّ لهم فتنة يتحيّر فيها الحليم ، ولأسلّطنّ عليهم جبّارا عنيدا ألبسه الهيبة وأنزع من صدره الرحمة ، يتبعه عدد مثل سواد الليل المظلم ، وإنّي مهلك بني إسرائيل بيافث وهم أهل بابل من ولد يافث بن نوح ، ولا أهلكهم حتّى يكون الأمر من قبلك . فسلّط اللّه عليهم بخت نصر من ستّمائة ألف راية ؛ وبعث اللّه ملكا على صورة رجل إلى إرميا ، فاستفتاه أنّي رجل لي عشيرة كبيرة وصلت أرحامهم وواسيتهم بمالي وعاملتهم بالجميل ، فبارزوني بالعظائم وخالفوني بالجرائم . فقال إرميا : أحسن إلى من أساء إليك وزد في معاملتهم بالجميل . فرجع الملك وعاد بعد مدّة وأعاد الفتيا ثلاثا ؛ فدعا ( 404 ب ) إرميا عليهم بالإهلاك ، ثمّ انتبه بعده وعلم أنّ ذلك الرجل كان ملكا بعثه اللّه تعالى حجّة عليه ؛ وأرسل اللّه صاعقة من السماء ، فالتهب مكان القربان ، وخسف بسبعة أبواب من أبوابها ، ودخل بختنصّر وجنوده بيت المقدّس ، ووطئ الشام وقتل بني إسرائيل وسبى ذراريهم وقد بلغوا سبعين ألفا ؛ فقسمهم بين جنوده وفرّق من بقي من بني إسرائيل ثلاث فرق : فرقة أقرّهم بالشام وفرقة سباهم وفرقة قتلهم ؛ وقد طار إرميا في الفيافي والجبال متضرّعا حزينا ؛ فلمّا ولّى بخت نصّر راجعا إلى بابل أقبل إرميا - عليه السلام - على حمار له ومعه عصير عنب في ركوة وسلّة تين حتى نزل إيليا ، ورآها خاوية على عروشها ، فقال : أنّى يحيي هذه اللّه بعد موتها ! والذين قالوا : إنّ عزيرا هو القائل قالوا : إنّ بخت نصّر لما قدم أرض بابل بسبي بني إسرائيل وكان فيهم عزير ودانيال وسبعة آلاف من ولد داود - عليه السلام - وقد نشأ عزير فيهم ؛ فلمّا شبّ ارتحل منهم على حمار حتّى نزل دير هرقل على شطّ دجلة ، وطاف في القرية ؛ فلم ير فيها أحدا ؛ وقد أثمرت أشجارها ؛ فأكل منها واعتصر من العنب ، فشرب ،