محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

974

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

والتسليم لأمر اللّه ، وإذ عرفت من الذاعنين من هو صادق وتمسّكت به فقد استمسكت بالعروة الوثقى ، وهو العروة الوثقى التي لا انفصام لها ، فإنّك حيث ما أردت فصمه وقطعه فقد وكّدت وصله وأبرمت حبله ؛ وعلامة الحقّ والرشاد أن يشدّ بعضه بعضا ، وعلامة الباطل والغيّ أن ينقض بعضه بعضا . وسرّ آخر : أحكام الدين تجري على الاختيار المحض ، وأحكام الشريعة تجري على الجبر المحض ، والدين بمثابة الروح والشريعة بمثابة الجسد ، والاختيار بالروح أولى والجبر بالجسد أولى ، والدين مع الشريعة اختيار في جبر وجبر في اختيار ؛ ولما كان الدين في القيامة أغلب ، إذ هو يوم الدين كان الاختيار على حركات أهل الدين أغلب والجبر على حركات غيرهم أغلب ، ثمّ يضطرّه ، إلى عذاب النار . وسرّ آخر : فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ هو التبرّؤ من أعداء اللّه ، وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ هو التولّي لأولياء اللّه ، هو لا إله إلّا اللّه ؛ والعروة الوثقى محمّد رسول اللّه . فمن قال لا إله إلّا اللّه محمّد رسول اللّه فقد كفر بالطاغوت وآمن باللّه واستمسك بالعروة الوثقى ، فينبغي أن يجتهد حتّى لا ينفصم ، وإنّما لا ينفصم بدوام التمسّك بالعروة التي هي دائمة الوجود ودوامها بتبدّل أبدالها واتّصال أقوالها ؛ واللّه سميع عليم . قوله - جلّ وعزّ - : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 257 ] اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ( 257 ) النظم ثمّ بيّن الربّ تعالى أنّ من آمن به فهو وليّه وناصره ويتولّى أمره حتّى يخرجه من ظلمات الشرك إلى نور الإيمان ، ومن كفر به أولياؤهم الطاغوت يتولّون أمره حتّى يخرجونهم من النور يعني نور الإيمان إلى ظلمات الشرك .