محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

973

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

كالعرى للحبل الواحد ، فمن اعتصم بعروة وثيقة من هذه العرى وصل به إلى حيث يقصده من الجنّة ؛ ويقال للرجل : إنّه ينقض الإسلام عروة عروة ، فيشار بالعرى إلى شرائع الإسلام ؛ وقال ابن بحر : العرب تقول في الرجل إذا أصاب في أمر وأحسن الاختبار : قد أخذ فلان بعروة الأمر وتمسّك بالسبب الوثيق والحبل المرير . ومعناه قد نجا وسلم . وقوله : لَا انْفِصامَ لَها « 1 » والفصم الكسر والقطع . قال ابن عبّاس : لا انقطاع لها دون رضا اللّه ودخول الجنّة ، والتقدير بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها ، وَاللَّهُ سَمِيعٌ للأقوال من الإيمان باللّه والشهادة للّه ، عَلِيمٌ بما في الصدور من العقائد والضمائر . الأسرار قال المتمسّكون بالعروة الوثقى : قوله تعالى : لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ وقوله : إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ لا يتناقضان ؛ فإنّ الدين هو الحبّ في اللّه والبغض في اللّه ، لا يمكن الإكراه على الحبّ والبغض ؛ فإنّهما غريزتان في القلب أو حاصلتان بالكسب . ومن أكره على لفظ الكفر باللسان وقلبه مطمئنّ بالإيمان فذلك لا ينافي الأوّل بل يقرّره ، لكن الربّ تعالى بيّن علّة نفي الإكراه بقوله : قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ؛ وكما تبيّن الرشد من الغيّ تبيّن أيضا المرشد من المغويّ . ثمّ المرشد من يصدّك عن هواك ورأيك وعقلك ويهديك إلى مرشد هاد ، فلا يتناقض قوله في الحال ؛ والمغويّ من يردّك إلى هواك ورأيك وعقلك ويصدّك عن الهادي فقد ( 400 آ ) تناقض قوله في الحال وتبيّن كذبه في المقال . وهذه هي معجزة الأنبياء - عليهم السلام - أعني المعجزة القولية التي يعجز الخصم عن معارضتها . فالرشد إذا الاحتياج إلى المرشد ، والغيّ الاستغناء عن المرشد . ومن قال : الرشد هو الحجج العقلية فقط فقد تناقض قوله من وجوه : أحدها أنّه مع الحجج العقلية يرشدك إلى الحجج العقلية فقد يبطل أنّها هي فقط ؛ وثانيها أنّ الحجج العقلية متشابهة في العقلاء وما يتبيّن به الرشد من الغيّ ، أليس قال اللّه تعالى : فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ وهو من يطغيك عن اللّه فيردّك إلى هواك ، والردّ إلى الهوى هو الطغيان على اللّه ؛ والإسلام « 2 » هو الإيمان باللّه

--> ( 1 ) . في الهامش عنوان : التفسير . ( 2 ) . س : + للغير .