محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

969

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

بالكلّ علما فوق الكلّي والجزئي ، وكما لا شريك له في ملكه ولا شفيع إلّا باذنه كذلك لا عالم يشركه في علمه ولا يعلم شيئا من علمه إلّا بهدايته . ثمّ من المخلوقات ما يسع السماوات والأرض فيمسكهما وهو الكرسيّ وهو موضع قدمي الملك والملك ، ولا يؤوده حفظهما كأنّه ينوب عن القدرة كما ناب سعة الكرسيّ عن العلم ، وهو العليّ في جلاله العظيم في إكرامه لا جهة لعلوّه ولا جثّة لعظمته . انظر إلى هذه الكنية كيف تجمع هذه المعاني 173 ( 398 آ ) . وإنّ لآية الكرسيّ لسانا يقدّس الملك عند ساق العرش . يقدّسه بالحيّ القيّوم ، والملك والملك ، والعلم والقدرة ، والعلوّ والعظمة ، هي الكلمات الثمان المكتوبة على ساق العرش ، وهي الأسماء الثمانية التي قويت بها حملة العرش ، فهم ثمانية والتي يقويهم على حمل العرش الأسماء الثمانية . وسرّ آخر : إنّ للموجودات مبادئ وكمالات ، ومباديها كلماته التامّات الطيّبات الطاهرات الباقيات الصالحات ، وكمالاتها أنبياؤه وأصفياؤه الطيّبون الطاهرون الباقون الصالحون ، وإنّ في آية الكرسيّ إشارات إلى تلك المبادي وهذه الكمالات ، يظهر منها في أحوالها أثر ، والمبادي على لسان الشريعة : الأمر والكلمة والقلم واللوح ، وعلى لسان الحكمة : العقل والنفس والهيولى والطبيعة ؛ وكما أنّ الأمر والكلمة يقيمان القلم واللوح كذلك العقل والنفس يقيمان الهيولى والطبيعة ؛ واسما الحيّ القيّوم يسيران إلى القلم واللوح ، أو العقل والنفس ، ويظهران فيهما أثرهما ، ويشيران إلى النبيّ والوصيّ ، ويظهران فيهما أثرهما ؛ فآثار اسم الحيّ ظاهرة ( 398 ب ) في العلم والعقل والنبيّ . وآثار اسم القيّوم ظاهرة في اللوح والنفس والوصيّ ؛ وإليك ربط سائر الكلمات فيها بالمبادي والكلمات : اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ : الحقّ الحاكم على المتضادّات والمترتّبات . التضادّ بالنفي والإثبات . عالم التوحّد ونفي الأنداد الباطلة . الْحَيُّ الْقَيُّومُ : ذو الجلال . إثبات لجميع الكمالات والإكرام . لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ : النفي لجميع النقائص ، عالم الملك والملك . لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ : الإثبات ، النفي ، والاستثناء . يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ : لإثبات عالم العلم والقدرة والمشيئة .