محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

948

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

وفي التفسير ، حيثما ذكر اللّه تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا * فعليّ رأسهم ، وبقيّة ممّا ترك آل موسى وآل هارون ، وتلك البقيّة أخبارهما وقصّتهما مقدّرين على أحوال النبيّ والوصيّ « أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبيّ بعدي » ، 153 وكما كان التابوت تحمله الملائكة كذلك الكتاب العزيز له معقّبات من خلفه وحفظة من بين يديه يحفظونه بأمر اللّه : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ . وكما فصل طالوت تلك الأمّة بالجنود قالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ الآية كذلك فصل طالوت هذه الأمّة بالجنود وقال : إنّ اللّه مبتليكم بنهر الرأي والهوى ؛ فمن شرب منه فليس منّي ومن لم يطعمه فإنّه منّي : « عليّ منّي وأنا منه » 154 ويتلوه شاهد منه إلّا من اغترف غرفة بيده ، والغرفة إمّا ليمسح بها وجهه وإمّا ليطعم منها شربه بإذن صاحب الأمر ، وذلك رجوعه إلى عقله ونفسه لمعرفة الاحتياج إلى مالك أمره . ومن وجه آخر ، الدنيا نهر على رأس بريّة والناس هيام عطاش من الحرص وطلب المال والجاه ، وقد ابتلاهم اللّه تعالى ( 389 ب ) على لسان أنبيائه بذلك ؛ فمن شرب منه فليس منهم ، ومن لم يطعمه فإنّه منهم ، إلّا من اغترف غرفة بيده مقدار بلغة من الزاد وكفاف للرمق ما قلّ وكفى خير ممّا كثر وألهى ، وهم قد ارتووا بما قليله خير من كثيره ، واعتلّوا ومرضوا مرض الشكّ والنفاق ، واستولى عليهم الجبن والبخل . ومن وجه آخر : هب أنّ النهر كلّه شفاء ، وحسّك وعقلك يدلّان عليه ويميلان إليه ؛ فإذا قال صاحب العلم والأمر : من شرب منه فليس منّي فالواجب على المؤمن أن يخالف حسّه وعقله ويتّبع أمر صاحب الأمر حتّى لا يصير الشفاء في حقّه داء ؛ ولا تنقلب النعمة عليه بلاء ، ولو فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم . قوله - جلّ وعزّ - : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 250 ] وَلَمَّا بَرَزُوا لِجالُوتَ وَجُنُودِهِ قالُوا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ ( 250 ) النظم [ و ] اللغة النظم فيه ظاهر ، وقد فصل طالوت بالجنود على بلده ، وبرز لجالوت وجنوده ؛ ومعنى