محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

946

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

الملك ، وفيها سكينة من ربّكم تسكن بها قلوب المؤمنين ، وبقيّة ممّا ترك آل موسى وآل هارون ، وتركتهما علم التنزيل وعلم التأويل ، وهي في كلمة لا إله إلّا اللّه تحملها الملائكة المشخّصون في الأرض ، وكما كان يدفع البلاء عن بني إسرائيل بذلك التابوت كذلك قال النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله - « لا يزال قول لا إله إلّا اللّه يدفع البلاء عن هذه الأمّة ما لم ينتقصوا منه شيئا فإذا كان كذلك ردّت الكلمة إليهم وقيل لهم كذبتم لستم بها صادقين » 151 وتلك الكلمة آية الظفر والنصرة ، ( 388 ب ) وتلك هي الحاكمة فيما اختلفوا فيه ، وتلك هي الحمّالة للريح الهفّافة . فلئن كان لهم تابوت وفيها السكينة والتركة ويحمله نبيّ بعد نبيّ كان لهذه الأمّة كلمة لا إله إلّا اللّه تابوتا وفيه السكينة والتركة ويحمله وصيّ بعد وصيّ : « إنّي تارك فيكم الثقلين » إن جعلت أحد الثقلين وهو الكتاب تركته ، والثاني وهم العترة ورثته فقد أصبت ؛ وإن جعلتهما تركته فالعلماء ورثته ، وهم العلماء الذين يقولون العلم بالتوارث ، بل العلماء الذين يثبتون حقّ مورثهم لا الذين يبطلون حقّه ، والوكلاء الذين يصحّحون الملك لموكّلهم ولا يفسدون . ومن العبر في الابتلاء بالنهر قد قيل فيه : إنّه ابتلاء محض ليعرف به المخلص من المنافق ، كسائر الامتحانات التي لا يعقل معناها ؛ وقد قيل : إنّ القوم قطعوا بريّة بعيده وعطشوا عطشا شديدا ، وماء النهر قد اشتمل على وباء ؛ فمنعهم عن الارتواء منه لئلّا تنتفخ بطونهم ؛ فغلبهم ؛ العطش حتّى انغمسوا في الماء متهالكين ، فضعفت أبدانهم وانتفخت بطونهم ، وذهب إيمانهم ويقينهم ، إذ قال : فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي ليعرف به أنّ الأخذ بأمر صاحب الأمر أولى من الاستبداد بالرأي والهوى . وقد وقع كثير من هذه الابتلاءات في زمان الهجرة ووجوب الجهاد . ومن العبر في العدد الذين عبروا النهر مطيعين ثلاثمائة وثلاثة عشر وقد سمّي في التوراة ذلك العدد عدد الفتح والنصرة وهم عدد المخلصين لموسى - عليه السلام - وعدد أهل بدر ؛ فرزقهم اللّه النصرة على العدوّ ؛ وكما كان لكلّ عدد خاصّية فالفتح والنصرة من خواصّ هذا العدد ، إذا كانوا متّفقين في القول مطيعين في الفعل ؛ ولذلك قال ذلك الرجل يوم الحديبية : « لو كان لي ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا لخرجت » ، وقد أدّى على قوله ذلك كفّارة .