محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
863
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
قال ابن عبّاس : « 1 » إثمهما ما ذكر اللّه في قوله : إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ الآية ، وأمّا منافعهما : فأمّا الخمر فما فيها من اللذّة والقوّة وهضم الطعام ، وأمّا الميسر فلما فيه من التوسعة على أصحاب الحاجات ، وهذا قول ابن عبّاس ومجاهد والسدّي ، وفيه اكتساب المال من غير كدّ وتعب ؛ وقال الربيع والضحّاك : المنافع قبل التحريم والإثم بعده ، وإثمهما بعد التحريم أكبر من نفعهما قبل التحريم ، وهذا مرويّ عن ابن عبّاس ؛ وروى سعيد عن قتادة قال : في قوله : إِثْمٌ كَبِيرٌ ذمّهما ولم يحرّمهما لما أراد أن يبلغ بهما من المدّة والأجل ، ثمّ أنزل في سورة النساء أشدّ منها حيث قال : لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى وذلك أيضا من التدريجات إلى الإقلاع عنها ، ثمّ أنزل التحريم في سورة المائدة . ثمّ قال - عزّ وجلّ - « 2 » : يَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ وهما سؤالان خرجا على لفظ واحد في معنيين مختلفين علم ذلك بمخرج الحواسّ ؛ والسؤال الأوّل لمّا كان جوابه : قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ ( 356 ب ) وَالْأَقْرَبِينَ علم أنّ المراد به بيان المصرف ؛ والسؤال الثاني لمّا كان جوابه قُلِ الْعَفْوَ علم بذلك أنّ المراد منه المقدار ، وإنّما اتّصلت الآية بما قبلها من آية الخمر والميسر وكان فيهما منافع للناس وفي الإنفاق منافع للناس إلّا أنّ منافع الخمر والميسر ممزوجة بالإثم الكبير ومنافع الإنفاق خالص به من غير شوب ؛ وقيل : إنّ السائل بالسؤالين عمرو بن الجموح . قال تعالى : قُلِ الْعَفْوَ « 3 » بالنصب على قراءة الأكثرين ، أي أنفقوا العفو أو ينفقون العفو ؛ فلا بدّ من إضمار الفعل وعلى هذا « ماذا » في محلّ النصب ؛ وقرأ أبو عمرو وقتادة والحسن وابن أبي إسحاق بالرفع ، وعلى هذا جعل « ذا » بمعنى « الذي » وردّ العفو عليه ؛ فرفع كأنّه قيل ما الذي ينفقون ؟ فقال : الذي ينفقون العفو عن الابتداء والخبر . وأمّا معنى العفو فروى مقسم عن ابن عبّاس قال « 4 » : العفو ما فضل من المال عن العيال وهذا قول قتادة ومقاتل وعطاء والسدّي والقرظي والحسن والكلبي وابن زيد وابن أبي ليلى وعبد اللّه بن عمر واختيار محمّد بن جرير ؛ وقال ابن عبّاس في رواية ابن أبي طلحة : العفو
--> ( 1 ) . في الهامش عنوان : التفسير . ( 2 ) . في الهامش عنوان : المعاني والنظم . ( 3 ) . في الهامش عنوان : القراءة . ( 4 ) . في الهامش عنوان : التفسير .