محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

858

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

مستقبلا للكعبة : « ولحرمة المؤمن عند اللّه أكبر من حرمتك سبعين مرّة . » 112 فبيت اللّه الحرام هو المؤمن « فرغ لي بيتا أسكنه » وشهر اللّه الحرام هو المؤمن على وزان ذلك ؛ ولا يستبعد ذلك ؛ فقد قال - صلّى اللّه عليه وآله - : « لا تسبّوا الدهر ؛ فإنّ اللّه هو الدهر » 113 وقد قال رجل من أهل بيته : « أنا دهر الدهور » 114 وقد قال النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله - : « من سبّ أهل بيتي فقد سبّني ومن سبّني فقد سبّ اللّه » 115 فمن سبّ الدهر وهو رجل فقد سبّ اللّه ، والدهر رجل والشهر رجل . وسرّ آخر : في قوله : وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطاعُوا فيه حكمان : حكم المفروغ وهو إصرار المشركين على القتال في قوله : وَلا يَزالُونَ وثبات المؤمنين على الدين واليقين في قوله : إِنِ اسْتَطاعُوا أي لا يستطيعون ذلك ؛ فإنّ اللّه يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ وحكم المستأنف وهو قوله : وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ ؛ فدلّ ذلك عن استدامة طائفة من المؤمنين على الإيمان واليقين لا يزعزعهم قتال المشركين ولا فتن المنافقين ؛ فهم ظاهرون على الحقّ إلى يوم القيامة ؛ واستحالة طائفة منهم عن الدين كما قال تعالى : مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ وقد ارتدّ قوم في زمان وأتى اللّه بقوم في زمان ؛ وكما أنّ المشركين لا يزالون يقاتلون المؤمنين حتّى يردّوهم عن دينهم إن استطاعوا كذلك المنافقون لا يزالون يناظرون المؤمنين حتّى يردّوهم عن دينهم إن استطاعوا ؛ وكما أنّ القتال في عاقبته على الكافرين وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا كذلك الجدال في عاقبته على المنافقين وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ . وسرّ آخر : في قوله : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذكر ثلاث درجات : الإيمان والهجرة والجهاد ؛ والإيمان مبدأ والهجرة وسط والجهاد كمال ؛ والإيمان صدق وتسليم وموالاة ، والهجرة هجرة إلى اللّه وإلى رسوله ( 354 ب ) ومعاداة ، والجهاد جمع بين الموالاة والمعاداة ، يقتل بغضا لشخص في اللّه ، ويقتل حبّا لشخص في اللّه ؛ فيبلغ في البغض في اللّه إلى أن يقتل عدوّا للّه ، ويبلغ في الحبّ في اللّه إلى أن يبذل