محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
845
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
أن يبلغ عجزهم وشدّتهم إلى حدّ اليأس ؛ فإنّ نهاية العجز بداية القدرة ، اشتدي أزمة تنفرجي ؛ فذاك اليقين بنصر اللّه على حاله وهو حكم المفروغ ، وهذا الاستبطاء لنصر اللّه على حاله وهو حكم المستأنف . يا عجبا لو لم يكن منّة أولياء اللّه - عليهم السلام - علينا بإرشادهم إيّانا إلى حكمي الكونين ما كنّا نعرف من القرآن كلمة ولا زالت عن قلوبنا شبهة . وسرّ آخر : أنّ للّه - عزّ وجلّ - أحكاما تقديرية من البأساء في الأموال والضرّاء في الأبدان والزلزال في الأحوال يمتحن بها عباده امتحان استخلاص المؤمن من الكافر والخيّر من الشرّير والمخلص من المنافق ليميز اللّه الخبيث من الطيّب ، وأنّ للّه - عزّ وجلّ - أحكاما تكليفية من الجهاد بالأنفس والأموال والهجرة إلى اللّه عن الأوطان والأولاد والأقارب والعيال يمتحن بها عباده امتحان استخلاص المحقّ من المبطل والصادق عن الكاذب فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ والمقادير والتكاليف استخلاصات ( 348 ب ) لنفوس العباد ، المخلص الخالص إلى الجنّة وهو أهل الجنّة ، ويلقى الزائف في النار وهو أهل النار . وسرّ آخر : الزلزال من زلّ الشيء عن مكانه إذا تحرّك ، وزلزل إذا حرّك كثيرا ؛ فضوعف اللفظ لتضاعف الحركة ، وما لم تتضاعف الحركة ، وما لم تتضاعف الحركة بشدّة لم يخرج من المادّة صفوتها ولم تتميّز عنها رغوتها ؛ وكذلك إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها فالطبيعة الأولى حركت المادّة الأولى الجسمية حتّى يميز اللطيف من الكثيف ، وضوعفت الحركات التقديرية حتّى بلغ الأكوان كمالها ، وذلك في جانب الخلق والشريعة الأخيرة حرّكت النفوس الروحانية حتّى تميّز الخيّر عن الشرّير ، وضوعفت الحركات التكليفية حتّى بلغ الأزمان كمالها وذلك في جانب الأمر ؛ وكما أنّ المادّة التي هي السلالة من الطين تحرّك وتضاعف الحركات حتّى تصل إلى الخلق الآخر طورا بعد طور كذلك المادّة التي هي سلالة الدين تحرّك وتضاعف الحركات حتّى تصل إلى العالم الآخر كورا بعد كور . سلالة الطين معروفة وسلالة الدين كلمة « لا إله إلا الله » تحوّل وتحرّك حتّى يبدو منها ما فيها من جميع أحكام الشرائع ؛ فتصير عالما كأنّه شخص كامل الذات . فكما يخرج الجنين من البطن إلى هذا العالم بعد تلك الزلازل والتحريكات كذلك يخرج المؤمن من الدنيا إلى ذلك العالم