محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

806

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

غيرهم ؛ فأمرهم بحفظ زادهم ونهاهم عن السفر بغير زاد ، وأمرهم بالتقوى وكفّ الظلم ومعنى الآية : تزوّدوا من أقواتكم ما فيه بلاغكم إلى أداء مناسككم ؛ فإنّه لا برّ للّه في ترك التزوّد ومسألة الناس ، ولا في تضييع أقواتكم وإفسادها ، ولكن البرّ في التقوى وهو اجتناب ما نهاكم عنه ، وفعل ما أمركم به ، وإنّه خير الزاد . وروي عن مجاهد قال « 1 » : كانوا لا يركبون ولا يتزوّدون ؛ فأمروا بأن يركبوا ويتزوّدوا . قال الضحّاك : التقوى العمل بطاعة اللّه . قال الأعشى : إذا أنت لم ترحل بزاد من التّقى * ولاقيت بعد اليوم من قد تزوّدا ندمت على أن لا تكون كمثله * ولم تك أرصدت الذي كان أرصدا ثمّ قال : وَاتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ أي ذوي العقول . قال الحسن « 2 » : إنّما هذه الدنيا بلغة فمتزوّد خيرا ومتزوّد شرّا ، وكلّ خارج عنها بما تزوّد . الأسرار قال المتزوّدون خير الزاد : إنّ خير الزاد التقوى وكلمة التقوى في تفسير قوله : وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى : لا إله إلّا اللّه ؛ فخير الزاد كلمة لا إله إلّا اللّه ، وهو البلاغ المبين إلى الآخرة . ومعنى وَاتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ أي وحّدوني بقول : لا إله إلّا اللّه ، واخشوني ؛ فلا تجسروا عليّ بالجدال فيّ ، والوصف لي بما لم أصفه في كتابي ، والقول في أسمائي بصفاتي وأحكامي وآياتي بآرائكم الفائلة وعقولكم الناقصة وأهوائكم الباطلة ، ولا يظمأ على التقوى زرع قوم ؛ وأوّل قدم في التقوى أن يتّقي القول في اللّه بما لم يرد به سمع ولا كتاب منير . وسرّ آخر : في قوله تعالى : فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ لمّا كانت التلبية إجابة للدعوة الهادية ، وكانت الدعوة مقصورة على ثلاث مراتب : الحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالأحسن كما قال تعالى : ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ وكلّ ما يخالف الحكمة فهو رفث ، وكلّ ما يخالف

--> ( 1 ) . في الهامش عنوان : التفسير . ( 2 ) . في الهامش عنوان : المعاني .