محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

807

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

الموعظة الحسنة فهو فسوق ، وكلّ ما يخالف الجدال بالتي هي أحسن فهو جدال ( 332 ب ) مراء ؛ فنفي هذه الخصال الثلاث عن الحجّ نفي النهي ، كما أثبت تلك الخصال الثلاث في الدعوة الهادية إثبات الأمر ؛ فيصحّ من المجيب : لبّيك اللّهمّ لبّيك وسعديك إجابة بالقول الذي لا رفث فيه ، وبالفعل الذي لا فسوق فيه ، وبالتسليم الذي لا جدال فيه . وسرّ آخر : الخصال الثلاث التي هي الرفث والفسوق والجدال مقدّرة على النفوس الثلاث التي هي النفس الشهوية والنفس الغضبية والنفس الناطقة ، وكلّ نفس منها ما لم تعدل على المراسم الأمرية والمعالم الشرعية فهي خارجة عن الاعتدال ، وأخلاقها قاصرة عن الكمال ؛ وكلّ خلق يثور من النفس الشهوية المائلة إلى الهوى فهو من باب الرفث ، جماعا كان أو ملاعبة ومواعدة أو معانقة ومؤانسة وذاك هو الرفث إلى النساء ؛ وكلّ خلق يثور من النفس الغضبية المائلة إلى الكبر فهو من باب الفسوق ، خروجا عن الطاعة ، واستكبارا على الأمر ، ومروقا عن الدين ، وذاك قوله : فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ ؛ وكلّ خلق يثور من النفس الناطقة الإنسانية المائلة إلى الخصام المبين فهو من باب الجدال بغير حقّ ، جريا على موجب الوهم والخيال ، وجدفا لمقتضى العقل الممنّي بالهوى والاستبداد ، المعرض عن سبل الإرشاد والاسترشاد ، وذلك قوله : وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا . فمن نفى الرفث عن نفسه الشهوية ، والفسوق عن نفسه الغضبية ، والجدال عن نفسه الناطقة فهو المجيب للدعوة الهادية النبويّة المتحلّي بأخلاق النفوس الملكيّة ، والملائكة يدخلون عليهم من كلّ باب سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ . وسرّ آخر : الحجّ بأركانه يضاهي رجلا من الرجال الأقطاب بعماله وأعوانه ؛ وفرق بين قولنا : الحجّ رجل والعمرة رجل وبين قولنا : الحجّ والعمرة يضاهيان رجلين ، كما أنّ الصلاة والصوم والزكاة تضاهي رجالا وهي من باب تشخّص الأعمال بالأشخاص كما قال - عليه السلام - « وإنّ عمر لحسنة من حسنات أبي بكر » 86 فعلى ذلك : الرفث والفسوق والجدال رجال تشخصوا بأمثال هذه الخصال وجب تطهير الحجّ بالشخص منهم ، كما وجب تطهير الحجّ بالفعل من خصالهم . فمن غلب عليه الرفث في القول والفعل ( 333 آ ) فهو الرفث ، ومن غلب عليه الفسوق والمروق عن طاعة أولي الأمر فهو الفسوق ، ومن غلب عليه