محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

805

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

كانوا يحجّون في ذي القعدة وربّما كانوا يحجّون في صفر وذلك هو النسيء ؛ وقيل : لا جدال في الزمان ، أي إنّ الزمان قد عاد إلى ما كان عليه الحجّ في وقت إبراهيم - عليه السلام - كما قال - صلّى اللّه عليه وسلّم - : « ألا إنّ الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق اللّه السماوات والأرض » 84 وهذا قول مجاهد قال : قد استقام الحجّ فلا جدال فيه . وقال في رواية : قد تبيّن الحجّ وكانوا يحجّون في ذي القعدة عامين وفي المحرّم عامين ، وهكذا يحجّون في كلّ شهر عامين حتّى وافقت حجّة أبي بكر عامين في ذي القعدة قبل حجّة النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله - ثمّ حجّ النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله - في ذي الحجّة فقال : « ألا إنّ الزمان قد استدار كهيئته » 85 الحديث ؛ وقال مالك في الموطأ : الجدال في الحجّ هو أنّ قريشا كانت تقف في المشعر الحرام بالمزدلفة وكانت العرب تقف بعرفات ويتجادلون في الأصوب والأفضل . قال اللّه تعالى : لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً هُمْ ناسِكُوهُ فَلا يُنازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ إلى قوله : وَإِنْ جادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ . وأمّا القراءة فقرأ أبو عمرو وابن كثير ويعقوب : الرفث والفسوق بالرفع والتنوين والجدال بالنصب ؛ وقرأ أبو جعفر كلّها بالتنوين والرفع ؛ وقرأ الباقون كلّها بالنصب من غير تنوين ؛ وللعرب في التبرئة هذان الوجهان . قال الفرّاء : الرفع بالصفة والنصب بالتبرئة لأنّها كالمعدول عن جهتها . قال أهل المعاني : ظاهر الآية نفي ومعناها نهي ، أي فلا ترفثوا ولا تفسقوا ولا تجادلوا ، كقوله تعالى : لا رَيْبَ فِيهِ . * وقوله تعالى : وَتَزَوَّدُوا قال عامّة أهل التفسير : هو أمر للحجيج بالتزوّد للحجّ وأن لا يتّكلوا على مسألة الناس ، كأنّه قيل : وتزوّدوا فإنّ ذلك من التقوى ، والتقوى خبر الزاد ؛ ولهذا جاء العطف بالفاء ؛ وقال بعض أهل المعاني : معناه تزوّدوا لمعادكم تقوى اللّه في طاعته بما أمركم به ؛ فإنّه خير زاد ، وتقوى اللّه خير ما يتزوّد ويدّخر ؛ فإنّها باقية نافعة يوم القيامة ؛ وقال ابن عبّاس والكلبي ومقاتل ومجاهد وابن زيد وابن عمر والمغيرة : نزلت الآية في قوم كانوا يحجّون بغير زاد ويقولون : نحن متوكّلون ثمّ كانوا ( 332 آ ) يسألون الناس وربّما أعطوهم ؛ وقال ابن عمر : كانوا إذا أحرموا ومعهم أزودة رموا بها وسألوا زادا آخر من