محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

789

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

التفسير روى عكرمة عن ابن عبّاس : نزلت في قصّة الحديبية كما ذكرنا ، وكان ذلك الصدّ في ذي القعدة ، وكان الدخول أيضا في ذي القعدة ؛ فذلك قوله : وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ والحرمة ما يجب حفظه ويحرم هتكه وقد منع - صلّى اللّه عليه وآله - سنة ستّ ، ودخل مكّة سنة سبع ، وإنّ قريشا فخرت على النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله - حين صدّته ؛ فاقتصّ اللّه له وللمؤمنين من المشركين بهذا ، وفي القصاص حفظ الحرمات . هذا قول قتادة ومجاهد والربيع والسدّي وابن زيد وابن عبّاس في رواية عكرمة وأبي صالح ؛ وقال في رواية عطاء وهو قول الحسن : إنّ المعنى إن قاتلوكم في المسجد الحرام فقاتلوهم فيه ، وذلك أنّ مشركي [ قريش ] قالوا : أنهيت يا محمّد عن قتالنا في الشهر الحرام ؟ قال : نعم . فأرادوا أن يقاتلوه واستحلّوا قتاله ؛ فأنزل اللّه الآية وأحلّ لهم القتال في الشهر الحرام ، قاتلوهم فيه والحرمات قصاص ، والبادي أظلم ؛ وجمع الحرمات فإنّها حرمة الشهر وحرمة الحرم ، وحرمة البلد الحرام ؛ وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال : فمن عدا عليك فقاتلك فقاتله كما قاتلك . وقال بعض أهل المعاني « 1 » : معناه من عدا عليك أي شدّ عليك فشدّ عليه بمثل ما عدا وشدّ . وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ باللطف والرحمة والنصرة . الأسرار قال المقاتلون في سبيل اللّه : إنّ الآيات كلّها محكمة ووجه الإحكام فيها ظاهر ، وإنّ بعض الشروط فيها لا يخرجها عن الإحكام ، وإنّ آيات القتال نزلت قبل عام الحديبية لستّ سنين وكان رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله - يقاتل ابتداء وقصاصا في تلك السنين بعد الهجرة ، وأمر أن يقاتل الناس حتّى يقولوا : لا إله إلّا اللّه ، وكان معدّا للقتال قبل الهجرة ، ولولا قلّة المسلمين وضعفهم بمكّة لكان القتال مع الدعوة واجبا ، لكنّ اللّه - عزّ وجلّ - لا يكلّف نفسا إلّا وسعها ؛ فدعاهم إلى التوحيد ونفي الأنداد ثلاث عشرة سنة ، وقد بعث به وأرسل بالهدى ودين الحقّ ليظهره على الدين كلّه ، بالحجّة قولا ( 325 آ ) وبالقتل فعلا وإلّا فما كان يسوغ

--> ( 1 ) . في الهامش عنوان : المعاني .