محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

790

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

أن ينكر عاقل على فاعل قولا وأن يقتل عاقل عاقلا فعلا ؛ إذ لا رجحان لعقل على عقل ، لكنّه لمّا دعاهم إلى التوحيد ونفي الأنداد فقد دعاهم إلى الفطرة ، ومن أنكر الفطرة منهم أبطل الفطرة عليه ، والفتنة كلّ الفتنة في إنكار الفطرة . قاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ معناه مصدر الشرك ومنشأ الكفر ومنبع العبث والفساد وهو الاستبداد بالرأي والهوى وترك الدين والتسليم ؛ والنبيّ لا يفحم خصمه إلّا بقولة خصمه ، ولا يعجزه إلّا بفتواه ، ولا يقتله إلّا بدينه ومذهبه ؛ وذلك إظهاره على الدين كلّه ، ولأنّ تطهير الأرض عن فساد الكفر واجب . والكفر إنّما يرتفع عن الأرض بأحد أمرين : أحدهما : الدعوة إلى التوحيد باللسان وإقامة الحجّة والبرهان وذلك من حيث القول . والثاني : إهلاك الكفرة بالسيف وذلك من حيث الفعل . فلذلك ابتدأ النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله - بالدعوة إلى التوحيد قولا ثلاث عشرة سنة ، ثمّ هاجر إلى المدينة حتّى تحقّقت البراءة من الكفرة شخصا ، ونزلت آية القتال وشرع بالجهاد في سبيل اللّه ، وكان في الابتداء مقصورا على قتال من قاتل منهم كما كان ببدر وأحد ، وصار عاما في الانتهاء بعد نبذ العهد إليهم كما نزلت الآية في سورة براءة ، وليس ذلك نسخا ، بل تعميم حكم بعد تخصيصه ، وتشديد أمر بعد تسهيله ، كسائر العبادات والمعاملات التي كانت في الابتداء بغير شروط وأركان وتعيين وقت وزمان ، ثمّ كملت في الانتهاء بشرائطها وأركانها وأعدادها وأوقاتها . ومن قال : إنّ قوله : لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ منسوخ بآية القتال فقد أخطأ ؛ فإنّه تقرير لآية القتال وتوجيه للجهاد وإيجاب للغزو في سبيل اللّه ؛ فإنّ السورة من ابتدائها إلى انتهائها براءة من الكافرين ومعبودهم ، وتتبرّأ من دينهم ، وما لم تحصل البراءة عن الكفرة ودينهم من كلّ وجه لم يلزم قتلهم وقتالهم . فلمّا انتهى القول نهايته ابتدأ بالفعل وبلّغه غايته . والقتال كان واجبا في الأديان السالفة بعد استكمال الدعوة واستعلاء الكلمة ؛ ولقد كان عيسى - عليه الصلاة والسلام - داعيا بلطف اللسان ، ناهيا عن الشرك بالحجّة والبرهان ، ولم تزد مدّة دعوته على ثلاث سنين ، وكان يوصي في الآخرة كلّ من كان له قميصان ؛ فليبع أحدهما ( 325 ب ) وليشتر به سيفا ، وما كان يصنع بالسيف وهو غير مقاتل ؟ ! ولذلك فأمر بالجهاد