محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
606
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
التفسير قال ابن عبّاس في رواية عطاء وسعيد والوالبي وأبي صالح : يثوبون إليه من كلّ وجه كلّ عام ، يشتاقون إليه لا يقضون منه وطرا أبدا ؛ وهو قول سعيد بن جبير ومجاهد والضحّاك وابن زيد وعطيّة ، قالوا : يثوبون إليه من كلّ جانب ويحجّون ولا يملّون ؛ فما من أحد قصده إلّا وتمنّى العود إليه . وروى السدّي عن أبي مالك قال « 1 » : المثابة هو الذي يثوبون إليه ويعودون بعد الذهاب عنه ؛ وقال قتادة وعكرمة : مثابة مجمعا للناس ومأمنا ؛ وقد جمع أهل المعاني بين القولين بأنّ المثابة بجمع الاجتماع والعود ، وهي قد تكون مصدرا كالمقام والمقامة ، يقال : ثاب يثوب مثابة ومثابا ، والمصدر قد يكون صفة كما يقال : درهم ضرب الأمير ، والمؤنّث منه قد يكون خبرا عن المذكّر كما يقال : ذكر الصالحين عظة ، ولقاؤهم رحمة وكرامة ومنفعة ؛ وقد يكون المثابة بمعنى الموضع الذي يثاب إليه والهاء فيه للمبالغة ، وهو قول الأخفش ، أو للتخصيص كالهاء في القطنة والصوفة ؛ وروي عن ابن عبّاس أنّه بمعنى المعاد والملجأ لمن استعاذ به والتجأ إليه . قال : ومن أحدث حدثا خارج الحرم ثمّ لجأ إليه أمن من أن يهاج فيه . ولكن لا يؤوى ، ولا يخالط ، ولا يباع ، ويوكل فيه حفيظ ؛ فإذا خرج أقيم عليه الحدّ ، ومن أحدث في الحرم أقيم عليه الحدّ في الحرم ؛ وهذا مذهب أبي حنيفة - رحمه - . وأمّا مذهب الشافعي - رضى اللّه عنه - أنّه لا يأمن بالالتجاء إلى الحرم سواء أحدث في الحرم ( 244 آ ) « 2 » أو خارج الحرم ، لقول النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله - : « الحرم لا يعيذ عاصيا » 2 ولأنّ الحدود محارم اللّه ؛ فيجب إقامتها وإن كانت في الحرم حفظا للمحارم بالمحارم ، وكذلك قال مجاهد وقتادة : إنّ ذلك الأمن كان في الجاهلية وأمّا في الإسلام فيقام فيه الحدّ على صاحب الجريمة ؛ وكذلك توارثوه عن إسماعيل - عليه السلام - حتّى أنّ الرجل كان يرى في الحرم قاتل أبيه فلا يتعرّض له حتّى يخرج من الحرم ؛ وقيل : وأمنا من مغازي العرب
--> ( 1 ) . في الهامش عنوان : المعاني واللغة . ( 2 ) . في بداية هذه الصفحة تكرّرت هذه العبارة : « أقيم عليه إلى في الحرم وهذا مذهب أبي حنيفة وأمّا مذهب الشافعي - رض - أنّه لا يأمن بالالتجاء إلى الحرم سواء أحدث في الحرم » وهي زائدة .