محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
723
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
بعده ، جعل « ما » بمعنى « الذي » أي إنّ الذي حرّم عليكم الميتة على خبر « إنّ » ؛ وقرأ الباقون إنّما حرّم بنصب الحاء والراء وتشديد الراء وما بعده نصب بإيقاع الفعل عليه ، وجعلوا « إِنَّما » كلمة واحدة للحصر والتأكيد . وأمّا الميتة والدم فهما عامّان في جميع الميتات والدماء ، لكن السنة أخرجت من عمومها ميتتين ودمين . قال النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله - « أحلّت لنا ميتتان ودمان أمّا الميتتان السمك والجراد وأمّا الدمان فالكبد والطحال » وأطلق الدم هاهنا وقيّده في قوله : أَوْ دَماً مَسْفُوحاً والمطلق محمول على المقيّد ؛ وقال بعضهم : إنّ العرب كانت تجعل الدم في المشاعر وتشويها ثمّ تأكلها ، ولحم الخنزير أراد الخنزير بجميع أجزائه ؛ وخصّ اللحم بالذكر ؛ لأنّه المقصود بالأكل وإنّما النصارى تأكلها . وما أهلّ لِغَيْرِ اللَّهِ أي ذكر عليه غير اسم اللّه ، قاله الربيع وابن زيد ؛ وقال ابن عبّاس ومجاهد والضحّاك « 1 » : أي ما ذبح لغير اللّه من الأصنام وسمّي عليه غير اسمه ، وإنّما سمّي الذبح إهلالا لأنّهم كانوا يرفعون أصواتهم بالتسمية عند الذبح فسمّي كلّ ذابح مهلّا جهر بالتسمية أو لم يجهر ، وهو كما صار الإهلال اسما للتلبية والإحرام ؛ فإنّهم يرفعون أصواتهم بالتلبية ويسمّى كلّ محرم مهلّا رفع صوته أو لم يرفع . قال الأصمعي : الإهلال رفع الصوت فكلّ من رفع صوته فهو مهلّ ؛ فالمحرم مهلّ والذابح مهلّ . قال أهل المعاني « 2 » : إنّ اللّه تعالى عدّد هذه المحرّمات لا لأنّ المحرّمات ( 296 آ ) في الشرع محصورة فيها ، وإن ذكر تحريمها مقرونا بلفظ إنّما وهو للحصر وليس المقصود منه حصر المحرّمات وعدّها ، بل المقصود بيان ما كانوا يحرّمونه في الجاهلية من البحائر والسوائب إلى غيرها ليس إلّا عن رأي رأوه ، وإنّما المحرّم الذي حرّمه اللّه عليهم هذه الأشياء الأربعة ، والآية مشكلة عليهم حتما ؛ فإنّهم جعلوا لفظ « إِنَّما » للحصر وهو نفي ما سواه وإثبات ما نصّ عليه ؛ فيقتضي ظاهر اللفظ أن تكون المحرّمات محصورة في هذه الأربعة ويؤكّده قوله تعالى : قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً الآية ، وأجرى مالك بن أنس الظاهر على مقتضاه ؛ فما حرّم الكلب والحمار
--> ( 1 ) . في الهامش عنوان : التفسير . ( 2 ) . في الهامش عنوان : المعاني .