محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
692
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
الأسرار قال الذين آمنوا وماتوا على الإيمان : إنّ اليوم المضمار وغدا السباق والسبقة الجنّة والدابّة النار ، ولا ينجو من الموت من خافه ، ولا يعطى البقاء من أحبّه ، وضرب لكلّ حيّ أجل محدود يتخطّى إليه بأيّام عمره ، ويرهقه بأعوام دهره ، حتّى إذا بلغ أقصى أثره واستوعب حساب عمره قبضه اللّه إلى ما ندبه إليه من محبوب ثوابه أو محذور عقابه . ليجزي الذين أساؤوا بما عملوا ، ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى . فالذي مات على الإيمان وختم به عمله فهو في رحمة اللّه خالدا فيها ، والذي مات على الكفر وختم به عمله فهو في لعنة اللّه خالدا فيها ، وليس وراء الموت عمل إلّا حساب وليس وراء الحساب موقف إلّا جنّة أو نار . وسرّ آخر : إنّ الذي مات على كفره تحقق له موتان موت نفسه بالكفر وموت جسده بمفارقة النفس ، فكان ميتا بكفره لنص الكتاب أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْياءٍ فصار ميتا بمفارقة روحه : اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها . كما أن الذي مات على الإيمان تحقّق له حياتان حياة نفسه بالإيمان : أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وحياة جسده : فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً . وكما أنّ من تحقّق له الموتان ( 282 آ ) استحقّ اللعن من اللّه والملائكة والناس أجمعين كذلك من تحقّق له الحياتان استحقّ الرحمة من اللّه والملائكة والناس أجمعين . ثمّ اللعن من اللّه إبعاد من رحمته ، واللعن من الملائكة إبعاد من درجة الملائكة ، واللعن من الناس إبعاد من درجة الإنسانية ، كذلك الرحمة من اللّه تقريب من ثوابه ، والرحمة من الملائكة تقريب من درجة الملائكة ، والرحمة من الناس تقريب من درجة الإنسانية ؛ فتصير نفسه نفسا إنسانية ملكية ربّانية ، كما تصير نفس الكافر شيطانا مريدا - لعنه اللّه - . وسرّ آخر : إنّ الإنسان مركّب من جسد وروح وهو مكلّف بعمل ومعرفة ، والعمل منه أخصّ بالجسد مع مشاركة الروح ، والمعرفة منه أخصّ بالروح مع مشاركة الجسد ؛ فإذا أتى بالمعرفة والعمل على ما أمره اللّه وهداه بتوسّط الملائكة والأنبياء - عليهم السلام - صارت معرفته كالروح وعمله كالبدن ، وإذا أتى بمعرفة هي في الحقيقة نكرة وجهل ، وبعمل هو في الحقيقة هباء منثورا ؛ إذ كان على ما يراه ويهواه لا على ما أمره اللّه وهداه ، لكنّه في حال