محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
693
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
الحياة الدنيا شغله عن الإحساس بجهله وسوء عمله هواه وطول أمله ، فأضلّه اللّه على علم وختم على سمعه وبصره ، فصار خدر النفس على الإحساس بجهله لهواه في عقله ، وعن الإحساس بختم سمعه وبصره ؛ فله جهل في عقله ولم يحسّ بجهالة عقله ، وله عمى في بصره ولم يحسّ بعمى بصره ، وله صمم في السمع ولم يحسّ بصمم سمعه ؛ فيزول الخدر بالموت الطبيعي ويحتدّ البصر : فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ ؛ فيحسّ بألم الجهل والعمى والصمم ؛ فيزداد ألمه كلّ ساعة ولحظة ؛ فبقي في لعنة اللّه ، إذ لم يقل بهدايته وأمره ، وفي لعنة الملائكة ، إذ لم يقل بوحيهم ورسالتهم ، ولعنة الناس المرسلين ، إذ لم يقل بطاعتهم وشريعتهم ؛ فبعدت عقولهم ، إذ بعدت عن أمر اللّه ؛ وبعدت أبصارهم ، إذ بعدت عن وحي ملائكة اللّه ؛ وبعدت أسماعهم ، إذ بعدت عن دين أنبياء اللّه ، وذلك لعنة اللّه والملائكة والناس أجمعين ، خالدين فيها لا يخفّف عنهم تلك الآلام والحسرات ولا هم ينظرون ولا يؤذن لهم ، فيعتذرون . وسرّ آخر : إنّ هاهنا موتا كلّيا وموتا جزئيا ، وبعثا كلّيا وبعثا جزئيا « 1 » ( 282 ب ) ، قال تعالى : ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ وكما أنّ موت جميع الخلائق غاية دار التكليف وبعده دار الجزاء والحساب على العموم كذلك موت كلّ واحد من الأشخاص غاية تكليفه وبعده دار الجزاء والحساب على الخصوص ، وعنه أخبر النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله - بقوله : « من مات فقد قامت قيامته » 35 والتوبة رجوع إلى الحقّ من الباطل ، والرجوع إنّما يكون في المستأنف حيث يتصوّر أن يصير الشرّير خيّرا والكافر مؤمنا ، وهو في دار الاستحالة والمحو والإثبات حيث كان اشتباه الحقّ بالباطل والباطل بالحقّ ؛ والتكليف إنّما كان للتمييز والتمحيص والفصل بين الخير والشرّ والخيّر والشرّير ؛ فإذا ارتفع الاشتباه وبطل الامتزاج وتميّز المحقّ عن المبطل : وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ ؛ فهناك دار الجزاء لا دار التكليف فتقبل توبة ومعذرة ؛ إذ الخيّر قطّ لا يصير شرّيرا ، والشرّير قطّ لا يصير خيّرا ؛ فلا يمكّنون من التوبة ؛ لأنّه لا يتصوّر منهم ذلك ؛ ولهذا قال تعالى : وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وإلّا فالداران سيّان بالنسبة إلى رحمته تعالى ، فكان يجوز في
--> ( 1 ) . س : جزويا .