محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

544

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

ووضع النظام على الجملة أنّ من اتّبع الهدى ؛ فله الولاية والنصرة في أمره ، ولا يكله إلى نفسه ، وينصره ولا يخذله إلى غيره ؛ ومن اتّبع الهوى فليس له الولاية والنصرة ؛ فلا يلي أمره بل يكله إلى نفسه ، ولا ينصره بل يخذله وينصر عليه خصمه . وإذ كان النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله - مبعوثا بتمهيد هذه القاعدة ، وكان كدحه وعناؤه في تقرير الهدى ورفع الهوى كيف كان ، يجوز أن يتّبع الهوى أعني هوى نفسه ؛ فما كان ينطق عن الهوى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى وهو سماع عن صادق ؛ ولا كان يجوز أن يتّبع هوى غيره ؛ إذ هو مبعوث لإبطال الأهواء . قال اللّه تعالى : اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ وقال : وَلا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا ، وإذ كان مبعوثا بذلك كيف جاز عليه اتّباع الأهواء حتّى يحرم الولاية والنصرة ؛ والخطاب ( 237 ب ) معه لتقرير الوضع لا لميل الطبع ، كما قال : لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ . فلا نحتاج إلى قولك : الخطاب معه والمراد به غيره ، بل الخطاب معه والمراد به هو ، ولكن لتقرير وضع القاعدة ، لا لتجويز وقوع الحادثة الفادحة ، وهو المفصّل الذي يراد به المجمل ، والخاصّ الذي يراد به العامّ ، والجزئي الذي يراد به الكلّي . وسرّ آخر : لا فرق بين من اتّبع هوى نفسه وبين من اتّبع هوى غيره الذي اتّبع هوى نفسه . فأمّا من اتّبع هوى نفسه ومذهبه اتّباع الهوى فليس له الاستتباع ، وليس له الإنكار على خصمه بما فعل وقال ؛ فإذا أنكر فقد ترك مذهبه وأهمل مطلبه ؛ وأمّا من اتّبع هوى غيره ومذهبه الاتّباع فهو بين أمرين : إمّا أن عرف أنّ الداعي له يتّبع الهوى عرفان يقين فحكمه حكم الأوّل ، ولا فرق بين الفريقين ، وإمّا إن لم يعرف ذلك فحكمه يمتاز عن الأوّل بقليل ؛ ولذلك خصّ اللّه تعالى الاتّباع بقيد ؛ فقال : ولئن اتّبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك على هدى من اللّه وإنّهم على هوى من نفوسهم ؛ فحينئذ تعرّضت للوعيد ، ما لك من ولي ولا نصير . فإذا حصلت هاهنا أقسام ثلاثة : قسم هو من اتّبع هوى نفسه وهو الشيطان الأوّل ؛ وقسم اتّبع هوى غيره ولم يعرف يقينا أنّه قد اتّبع هوى نفسه فيما يدعوه إليه ، وهو الإنسان الأوّل ؛ وقسم اتّبع هوى غيره بعد ما جاء من العلم ، فحكمه حكم الأوّل ؛ وما له من اللّه من وليّ ولا