محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
535
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
وسرّ آخر : قد أشعر سياقة اللفظ في الآية أنّه تعالى يقضي أمرا ثمّ يقول له : كن ؛ فالقضاء أقدم على القول ، وفي دعاء زين العابدين - عليه السلام - : « جرى بطاعتك القضاء ومضت على إرادتك الأشياء ؛ فهي بمشيّتك دون قولك مؤتمرة ، وبإرادتك دون وحيك منزجرة » 588 وهي تدلّ على أنّ القضاء والمشيّة والإرادة مترادفات في قرن ، والقول والوحي والخطاب مترادفات في قرن ، وذلك حكم المفروغ . وقد أشعر سياقة اللفظ في قوله تعالى : هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضى أَجَلًا أنّه تعالى يخلق ثمّ يقضي ؛ فالخلق ( 233 ب ) أقدم على القضاء ، والأمر أقدم على الخلق ؛ فالأمر أقدم على القضاء ؛ وفي دعاء زين العابدين أو بعض الصالحين : « والأمور كلّها بيدك صادرة عن قضائك ، مذعنة بالخضوع لك ، فقيرة إلى عفوك » 589 فهاهنا أمور صادرة عن القضاء وهو حكم المستأنف . وسرّ آخر : في معنى البديع أنّه لا مثل له ولا نظير في خلقه ؛ فيكون له ولد وكلّ مقضيّ من أمره فإنّما هو بقوله كن ؛ فالسماوات والأرض خلقه وهو مبدعها من لا شيء ولا من شيء ؛ وبديعها من غير مثل وندّ ؛ والمقضيّات بأمره منوطة بقوله ؛ وهو مكوّنها لا في زمان ، وإنّ عيسى - عليه السلام - من المقضيّات بأمره المنوطات بقوله كن : إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فهاهنا خلق وقول هما سببا جسد وروح ؛ فالجسد ترابي خلقي والروح روحاني أمري ؛ واللّه تعالى خالق الجسد ومكوّن الروح وبديع السماوات والأرض بمعنى المبدع ؛ وبديع السماوات والأرض بمعنى المقدّس عن المثل ، وجهان مقبولان في الشرع منقولان في اللغة . وسرّ آخر : أنّ جماعة من أهل البيت أجروا جميع معاني أسماء اللّه تعالى على مثل ما أجمع المفسّرون على تفسير اسم البديع واللطيف والكريم بمعنى المبدع والملطف والمكرم ؛ فقالوا : العليم بمعنى المعلم ، والقدير بمعنى المقدّر ، والحيّ بمعنى المحيي لا على [ ما ] ذهب إليه المتكلّمون من إثبات صفات قائمة بذاته أو أحوال ثابتة لذاته ؛ فقالوا : لمّا وهب العلم للعالمين سمّي عالما ، ولمّا وهب القدرة للقادرين سمّي قادرا .