محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

510

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

وقوله : وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ أي آثر الكفر على الإيمان واستبدل الجحود بالتصديق . فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ أي أخطأ أوسط الطريق ؛ والضلال بمعنى الذهاب عن الاستقامة ؛ سواء الطريق : وسطه وقصده وجادّته . الأسرار قال السالكون وسط السبيل المتمسّكون بذيل الدليل : إنّ السؤال على الأنبياء - عليهم السلام - بإظهار المعجزات وإقامة البيّنات يتضمّن تكذيبا لهم في الحال وشكّا في صدق المقال ؛ وقول من قال : لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً وقول من قال : لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً وأمثال هذه السؤالات احتكامات على اللّه ورسوله وتبديل الإيمان بالكفر ؛ وما سأل أحد قطّ مثل هذا السؤال إلّا ظلّ كافرا لنعمة اللّه - عزّ وجلّ - ، ضالّا في دينه ؛ ولو ظهر على يد الرسول ما يطلبه السائل ما زاده إلّا ضلالا وكفرا . قال اللّه تعالى : وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وقال : وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ . * فإن قيل : إذا منعنا السائل عن سؤال المعجزات وطلب الآيات فممّ يعرف صدق النبوّات ؟ ودعوى النبوّة إذا عريت عن البيّنة كيف يجوز تسليمها مع أنّ الدعوى خبر والخبر يحتمل الصدق والكذب ؟ فإن صدّقه في الحال من غير بيّنة كان ذلك تقليدا والتقليد قبيح أو كفر ، أو لربّما يكون المخبر كاذبا ( 222 ب ) مضلّا ؛ فالتوقّف في حال المدّعي أولى من تصديقه على غير بيّنة ، وتصديق الكاذب كتكذيب الصادق . بلى إذا طلب منه المعجزة وظهرت على يده وثبت صدقه بها فطلب الآيات بعد ذلك عناد وجحود ، وعليه يحمل قوله تعالى : وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً وأمثال ذلك . قيل في الجواب : إنّ الدعاوى تنقسم إلى ما تكون بيّنتها خارجة عن نفس الدعوى ؛ فتثبت الدعوى بها ، وإلى ما تكون البيّنة في نفس الدعوى فتثبت البيّنة بالدعوى ؛ وجميع دعاوى الأنبياء - عليهم السلام - بيّنات في أنفسها ؛ فلا ينازعها منازع وربّما ينكرها منكر ومعاند .