محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
511
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
أمّا قولنا : إنّها بيّنات بأنفسها فمن وجوه عشرة : أحدها : أنّها لا تخلو عن إثبات التوحيد في الخلق للّه تعالى ونفي الأنداد عنه ؛ فهم وكلاء اللّه - عزّ وجلّ - في إثبات حقّه ، وحقّه التوحيد ؛ ومن كان على إثبات التوحيد أقوى كان بالوكالة أولى . اعتبر حال الأنبياء - عليهم السلام - المذكورين في القرآن وخصوصا في سورتي الأعراف وهود كيف ابتدأوا بقولهم : اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ * ثمّ عقّبوه بقولهم : أَ وَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ . * فالأوّل دعوة إلى التوحيد ، والثاني دعاء إلى النبوّة ، وليس ينازعهم في هذه الدعوة والدعاء منازع البتّة . بلى ربّما ينكر قولهم منكر معاند ، وفرق بين المنازع والمنكر ؛ فإنّ المنازع من ينكر ما يدّعيه الخصم ويثبته لنفسه ، والمنكر من ينكر ولا يدّعي لنفسه ذلك . فليس يتولّى إثبات التوحيد ونفي الشرك في العالم سوى المبعوث من اللّه تعالى في إثبات حقّه ، ومن سواه فيدّعي الشرك ويدعو الناس إلى الشرك وذلك إبطال لحقّه تعالى . والوجه الثاني : أنّها لا تخلو عن إثبات التوحيد في الأمر للّه تعالى ونفي الشركاء عنه : أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ؛ فهم خلفاء اللّه تعالى في تبليغ أمره ورسالته وتقرير دينه وتحقيق كلمته ، وعلى ذلك المنهاج دعوة الأنبياء - عليهم السلام - : أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي ، * الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّهِ ليس ينازعهم في ذلك ( 223 آ ) من يدّعي أن لا أمر اللّه على عباده ولا رسالة له إلى خلقه . والوجه الثالث : أنّهم يبتدئون الدعوة من أمر لا يسوغ في الفطرة إنكاره حتّى يتبيّن صدقهم فيه ، ثمّ يبنون عليه التحدّي بالنبوّة والتظاهر بالرسالة ، وذلك أنّهم يخبرون عن أوضاع الخليقة بالاحتياج في وجودهم إلى خالق ، وفي بقائهم إلى رازق ، بل وفي عقولهم إلى مرشد ، وفي نفوسهم إلى مسدّد ، وفي أبدانهم إلى حافظ ، وفي أقوالهم وأفعالهم إلى ناصح أمين ، وفي حركاتهم وسكناتهم إلى مقوّم ، وهو الذي يؤدّيه معنى قولهم : وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَنَا لَكُمْ ناصِحٌ أَمِينٌ وَنَصَحْتُ لَكُمْ * فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ ومن أخبر عن الفطرة ما اضطرّت الفطرة إلى تصديقه ؛ فمن كذّبه أو شكّ في صدقه فقد خرج عن الفطرة .