محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

496

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

وبذلك امتاز دعوى النبيّ عن دعوة المتنبّي ، والنبوّة عن السحر ؛ فلا يتناقض قول النبيّ ؛ فلا يقول : لا تكفر وهو يعلّم الكفر ، بل يقول : آمن وهو يعلّم الإيمان ؛ ولا يقول : لا تتعلّم منّي وهو يعلّم ؛ وصاحب الحقّ أبدا كذلك بخلاف صاحب الباطل ؛ فإنّ بطلان دعواه يتبيّن من تناقض كلامه . فعلامة الصدق أبدا مع كلام الصادق ، وعلامة الكذب أبدا مع كلام الكاذب : كاد اللصّ يقول خذوني . وسرّ آخر : أنّ الملكين سمّيا هاروت وماروت بعد ارتكاب الكبائر ؛ فإن هاروت من الهرت وهو كثرة الكلام في الهذر ، وماروت من المرت وهو الصخرة الصماء ، ومنه المروة ، وكان كالصخر الصم الصلب لا ينطق ولا يتكلّم البتّة ؛ فلا الكلام الكثير من المهذار المتشدّق المتفيهق محمود ، ولا السكوت الكثير من الفدم الخامل الغافل محمود ، وكلا طرفي الإفراط والتفريط في كلّ شيء مذموم . قال اللّه تعالى : وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ وقال : وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها وكلا الطرفين شيطنة : هرت ومرت ، مهذار وفدم ( 216 ب ) والوسط محمود ؛ وقد قال - عليه السلام - : « البيان كلّ البيان من الشيطان » 577 وقال : « إنّ من البيان لسحرا 578 » . وسرّ آخر : كما وجد في جانب الحقّ تعليم وتعلّم هو خير كلّه : الرَّحْمنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ ، وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ كذلك وجد في جانب الباطل تعليم وتعلّم هو شرّ كلّه : يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ فهو تعليم الشرّ وَيَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ تعلّم الشرّ ، ولذلك كان تعليم الحقّ جمعا بين المرء وزوجه ، وتعليم الباطل تفريقا بين المرء وزوجه . وسرّ آخر : كما وجد شيطان في صورة ملك كإبليس كذلك وجد ملك في صورة شيطان كالملكين ببابل ؛ فظهرت شيطنة إبليس بامتناعه من السجود لآدم وهو صاحب المبدأ ، وظهرت ملكية الملكين بالتزامهما سجود صاحب الكمال ؛ فيرجع كلّ مستور بلباس إلى حقيقته وسنخه بعد نزع اللباس ؛ فيستقيم المنكوس في البئر وينكّس المستقيم على السرير ، وقد سمعت أنّ الملكين منكوسان في بئر إلى يوم القيامة وذلك عذابهما ، ثمّ يرجعان مستقيمين في عالم الروحانيات وذلك ثوابهما . وسرّ آخر : لعلّ عقلا ونفسا من العقول المفارقة والنفوس المدبّرة أرادا تركيب الهوى