محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
497
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
وطول الأمل فيهما ؛ فركّب الهوى في العقل فصدّه عن الحقّ ، وركّب الأمل في النفس فأنساه الآخرة ؛ فنكّسا في بئر الطبيعة والهيولى حتّى [ زكا ] العقل عن اتّباع الهوى ، وزكت النفس عن طول الأمل ؛ فرجعا إلى عالمهما طاهرين راكبين مستقيمين في أحسن تقويم ، وظهر بذلك المثل حال من اتّبع الحقّ ومن اتّبع الهوى ، وحال من قصّر الأمل ومن طوّل ، وأنّ عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة ، وأنّه يجوز أن يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرّة من الإيمان ، كما كان يجوز أن يخرج من البئر من كان في جوهره ذرّة من الملكية . ثمّ علّم اللّه تعالى المؤمنين حسن الأدب في المحاورة مع النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله - فقال : قوله - جلّ وعزّ - : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا وَقُولُوا انْظُرْنا وَاسْمَعُوا وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 104 ) النزول قال ابن عبّاس : سبب نزول الآية أنّ المسلمين كانوا يأتون رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله - ويقولون : راعنا يا رسول اللّه ! وأرعنا سمعك ، يعنون من المراعاة ، وكانت هذه اللفظة سبّا قبيحا بلغة اليهود ، ومعناها عندهم اسمع لا سمعت ، قاله الكلبي ( 217 آ ) فلمّا سمعوا هذه اللفظة من المسلمين يقولونها لرسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله - قالوا فيما بينهم : كنّا نسبّ محمّدا سرّا ؛ فأعلنوا له الآن بالشتم وقولوا : راعنا سمعك ؛ فسمعها سعد بن معاذ ؛ ففطن لها ؛ إذ كان يعرف لغتهم ؛ فقال : عليكم لعنة اللّه لئن سمعتها من رجل منكم يقولها لرسول اللّه بعد هذا لأضربنّ عنقه . فقالت اليهود : أو لستم تقولونها ؟ فأنزل اللّه تعالى هذه الآية . هذا ما رواه الكلبي عنه . وروى عطاء عن ابن عبّاس قريبا من ذلك إلّا أنّه قال : كان الرجل يقول لأخيه : ارعني سمعك ؛ فسمعته اليهود ؛ فقالوا فيما بينهم : كنّا نسبّ محمّدا سرّا وذكر الحديث . النظم وقال الضحّاك ومقاتل : إنّ سعد بن عبادة منع اليهود من ذلك .