محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

495

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

ويقيم السماوات والأرض ويدبّر الأفلاك والأنجم ويجمع الآباء والأمّهات ؛ وهي المعنيّ بها في قوله : لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ * وقوله : وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ ؛ وفي قولهم معاقد العزّ من العرش ، ومبلغ الرحمة من الكتاب ، ومنتهى العقل من السدرة ؛ وإنّ العوامّ منهم يعتقدون أنّ تلك العزائم كانت نيرنجات وتنجيمات وتبخيرات وتجسيمات فعلية معمولة على طوالع معلومة ، وكانت هي مدفونة تحت كرسيّه ؛ فاستخرجوها بعد وفاته - عليه السلام - وزادوا ونقصوا ومزجوها بكفرهم ، فبرّأه اللّه تعالى من ذلك إذ قال : وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا حيث زادوا ونقّصوا وبدّلوا تلك الكرامات سحرا وكتبوا فيها بين كلّ سطرين سطرا . ولقد كان آصف بن برخيا [ - عليه السلام - ] يتولّى العلم بها من غير سحر ، وباشر العمل فيها من غير كفر ؛ وهو الذي قال اللّه تعالى في شأنه : قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ ؛ فأتى بعرش بلقيس من مسيرة شهرين في لحظة من غير زمان ، ليظهر فضل الإنس على الجنّ ، وشرف قوّة العلم على قوّة العمل ؛ وقد ورد في الأخبار أنّ الأسماء التي بها أتى بعرش بلقيس هي قوله : يا مبدئ لا مبدئ لك ( 216 آ ) يا دائم لا نفاد لك ، يا حيّ محيي الموتى القائم على كلّ نفس بما كسبت ، أسألك بمعاقد العزّ من عرشك ومبلغ الرحمة من كتابك وأسألك بجدّك الأعلى وأسمائك الحسنى وصفاتك الأعلى ، يا كهيعص أحضر عرش بلقيس ؛ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي وكان الإحضار من غير زمان والتعزيم بأسماء اللّه تعالى لا بعزائم الشيطان ؛ فظهر به فضل الإنس على الجنّ ، وشرف العلم على القدرة والقوّة ، وهو كما قال النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله - : « لو عرفتم اللّه تعالى حقّ معرفته لزالت الجبال بدعائكم . 576 » وسرّ آخر : أنّ قول الملكين : إنّما نحن فتنة فلا تكفر ، منع من الكفر ؛ مع تعليم الكفر ؛ فلم يناسب قولهما عملهما ؛ وهو يشبه المنع من الفساد مع مباشرة الفساد ، والمنع من التقليد مع معانقة التقليد ، والمنع من متابعة الرجال مع ملازمة الرجال ؛ فأهل الباطل لا يناسب قولهم عملهم ، ولا يوافق آخر كلامهم أوّله ، ولا ظاهره باطنه ؛ إذ الباطل متناقض الوجود في نفسه ولذلك ينقض بعضه بعضا ؛ والحقّ متناسب الوجود في نفسه ولذلك يشدّ بعضه بعضا ؛