محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

483

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

سليمان - عليه السلام - وقالت : أتعرفون السبب الذي به ملك سليمان الجنّ والإنس وسخّر الشياطين فأطاعته واستسخر الريح فجرت بأمره رخاء حيث أصاب ؟ قالوا : لا ، قالت بما عملوا له من الطلسمات والنيرنجات وها هي مدفونة تحت كرسيّه ، وإنّما عملها وزيره وكاتبه آصف بن برخيا ؛ ففتّشوا الموضع فإذا فيها من الصور والطلسمات والمكتوبات من النيرنجات شيء كثير ؛ فاتّبعوها معتقدين فيها وكفروا باللّه مشركين ، وأعرضوا عن شرائع الأنبياء - عليهم السلام - ملحدين ، وبقيت هذه الشبهة في قلوب بني إسرائيل إلى أن بعث اللّه - عزّ وجلّ - نبيّه المصطفى - صلوات اللّه عليه وآله - فبرأه اللّه على لسانه ممّا قالوا ، وقال : وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا . قال الكلبي : إنّ الشياطين كتبوا تلك الكتب حين نزع اللّه تعالى ملك سليمان عنه ودفنوها تحت كرسيّه ، ثمّ أخبروا بني إسرائيل بعد وفاة سليمان وأحالوا عليه ذلك ؛ فعلى هذا معنى قوله تعالى : ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ أي ما قالت على ملكه ؛ وقال مقاتل : ما تتلوا الشياطين أي ما قالت وكتبت على ملك سليمان وسلطانه ؛ وذلك أنّ آصف بن برخيا كتب من السحر والنيرنجات كتبا ودفنها تحت كرسيّه ؛ فاستخرجوا ذلك وقالوا بهذا ملككم سليمان واستسخركم معاشر الجنّ والإنس والطير ؛ فتتّبعوها على اعتقاد من الصحّة وفيها شرك ؛ وحاشا أن يكون آصف مشركا ؛ فهو الذي أخبر التنزيل عنه وقال : الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ ؛ وقد روى سعيد بن جبير عن ابن عبّاس قال : كان آصف بن برخيا كاتب سليمان ولا يكتب شيئا إلّا بأمره ، وكان يكتب علوما ويدفنها ( 210 ب ) تحت كرسيّه ؛ فاستخرجوها بعد موت سليمان وكتبوا بين كلّ سطرين سطرا من السحر ونسبوه إلى آصف ثمّ إلى سليمان ؛ فأنزل اللّه تعالى براءة سليمان عمّا تلوا على ملكه . وروى سعيد بن عروبة عن قتادة قال : إنّ الشياطين ابتدعت كتابا في السحر على عهد سليمان ، وفشا ذلك العلم في الناس ؛ فجمعها سليمان ودفنها تحت كرسيّه ؛ فلمّا توفّي استخرجوها وقالوا : هذا علم سليمان الذي به ملك الأرض واستسخر الجنّ والإنس ؛ وكذلك روى عطاء عن ابن عبّاس . وقال السدّي : إنّ الشياطين كانوا يسترقون السمع من الملائكة بحدوث الحوادث ، وإنّ