محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

478

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

يستدعي كثرة العلم لا شدّة القوّة ، لكن قد يصدر علم عن قوّة كما يصدر قوّة عن علم ؛ فقد يتعلّم الإنسان علما يتقوّى به على إزالة الجبال ، كما قال النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله - : « لو عرفتم اللّه تعالى حقّ معرفته لزالت الجبال بدعائكم . » 569 وكما أتى آصف بن برخيا وهو الذي عنده علم من الكتاب بعرش بلقيس في لحظة من غير زمان فرآه سليمان - عليه السلام - مستقرّا عنده ، هذا علم صدرت عنه قوّة ، وأمّا قوّة صدر عنها علم فهو أن يقوى المؤمن على الطاعة ؛ فيحصل له علم من غير اكتساب ؛ فإنّ النفس إذا صقلت بالطاعة حتّى زال عنها كلّ حجاب وصدأة ارتسمت فيها صورة العالم بأسره ، قال اللّه تعالى : إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً ، ولمّا كان جبريل - عليه السلام - شديد القوى بكمال الطاعة ، ذو مرّة بكثرة التسبيح والعبادة ، حصل له من العلم المكنون والسرّ المخزون ما صار به معلّما لمثل المصطفى - صلّى اللّه عليه وآله - حتّى يعلم منه واستوى عالما على الكمال . واذكر هاهنا حكم المفروغ الكامل ، وحكم المستأنف علمه المتوجّه إلى الكمال ؛ ولمّا كان جبريل - عليه السلام - ملك أحكام المفروغ ، وقد اطّلع على أسرار قلوب اليهود ، وكان يخبر موسى - عليه السلام - بذلك أبغضوه وخافوا منه خوفهم في الأوّل ؛ إذ كان يظهر سرائر قلوبهم ويبلو أخبارهم ؛ فأنزل اللّه تعالى في شأنهم : مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ وأما ميكائيل - عليه السلام - فقيل : إنّ رتبته فوق رتبة جبريل ، وعظمته في جثّته فوق عظمة جبريل ، وهو ملك الأرزاق وأسبابها من الرياح والأمطار وما يحدث في الجوّ من الآثار ، وقد خصّهما اللّه تعالى بالذكر مع ذكر الملائكة لاختصاصهما بخصال وأفعال وأحوال عند اللّه حتّى قيل : إنّ ميكائيل ملك على الملكوت ، وجبريل ملك على الجبروت ؛ وقد قيل : إنّ ميكائيل ملك على الخلقيات ، وأعوانه متوسّطات في الخلق ، وإنّ جبريل ملك على الأمريات ، وأعوانه متوسّطات في الأمر ، وإنّ الفلاسفة الحكماء الأوائل أثبتوا جواهر عقلية سمّوها المفارقات عن المادّة ، المنزّهات عن ملابسة الهيولى ، وهي المدبّرات لنفوس الأفلاك ، ولم يثبتوا الملائكة التي هي الحاملات وقرا ، الكلمات الجاريات يسرا لأمريات ؛ إذ ليس لهم من الكلمات القدسية حظّ ( 208 ب ) ولا إليها سبيل ولا عليها دليل .