محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
479
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
ولمّا كان طريق الأنبياء - عليهم السلام - الدعوة إلى الأمر والكلمات ، وكانوا متعبّدين بالإيمان بها والتسليم بها كما كنّا متعبّدين بالإيمان بالرسل والكتب ، وكلّ ملك من الملائكة حمّال كلمة من الكلمات ، ومع كلّ موجود ملك ، ومع كلّ ملك كلمة ، فحملة كلمات الشرائع والأحكام إلى هذا العالم هم الملائكة الكبار العظام المخصوصون بالذكر في الكتاب المخصوصون بالحمل لأثقال التكاليف ، وكان التخصيص بالذكر مقدّرا على اختصاصهم بالحمل ، وحكمهم حكم الكلّ بالإضافة إلى الجزء ، وحكم الكلّيات بالإضافة إلى الجزئيات ؛ فذواتهم كلّ وإدراكاتهم كلّية ، كما ورد في القرآن : يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا ، فقيل : إنّ الروح يقوم صفّا والملائكة صفّا ؛ فهو كلّ في مقابلة الأجزاء ، وعقل واحد في حكم العقول كلّها ، ونفس واحدة في حكم النفوس كلّها ، وعرش هو كلّ المكان ، ودهر هو كلّ الزمان ، وأمر هو كلّ الكلمات ؛ فتخصّص بالذكر لاستحقاقه التخصيص ، كما قال : فِيهِما فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ . وسرّ آخر : في تنزيل جبريل على قلب المصطفى - عليهما صلوات اللّه وسلامه - فالقلب يطلق ويراد به المضغة التي في جوف كلّ حيوان وإنسان ، والتنزيل عليه بمعنى الإفهام والتعليم ، ويطلق ويراد به العقل : إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أي عقل يفهم ويعتبر ؛ والتنزيل عليه أيضا بمعنى الوحي والإلهام والإرشاد والإفهام ؛ وإذ كانت أوضاع الملائكة وجواهرهم الطاهرة مقدّسة عن المادّة الجسمانية كانت عقولا بحتة وأنوارا صرفة ، تتراءى فيها صور الموجودات كما تترايا في المرايا الصقيلة صور المحسوسات ؛ فإذا تقابلت تلك المرايا ارتسمت فيها الصور متقابلة ومتعاكسة بالتأدية والقبول ، والفعل والانفعال ؛ وإذ كان عقل المصطفى - عليه السلام - هو قلبه ، وقلبه هو عقله ، انخرط في سلك سائر العقول المفارقة للمادّة ، لتنزهها عن دنس الطبيعة ؛ وكان عقل جبريل - عليه السلام - أعني ذاته العقلي - وقلب المصطفى - عليه السلام - أعني عقله الذاتي - كمرآتين متقابلتين رسما وارتساما ، وكان ذلك تنزيلا على القلب تعليما وإفهاما ؛ ولقد كان جبريل - عليه السلام - أحيانا يأتيه على صورة ( 209 آ ) ملك ، وهو التنزيل على قلبه دون حسّه ، وأحيانا يأتيه على صورة شخص وهو التنزيل على حسّه ثمّ قلبه ؛ وقد سأل الحار بن همّام رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله - كيف كان