محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

477

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

الحاقّة من جبريل - عليه السلام - أبغضوه وسمّوه ملك العذاب والبلاء ، مع اعترافهم بأنّه ملك مقرّب عند اللّه تعالى ، لا يأتي إلّا بما أمره اللّه ولا يعصي اللّه ما أمره ؛ وقالوا : لمّا كان كفلا لمحمّد فلا نؤمن به ( 207 ب ) وهذا ضلال مبنيّ على ضلال ، فباءوا بغضب على غضب ، فإنّ من عادى ملكا أو وليّا من أولياء اللّه فقد بارز اللّه بالمحاربة ، ولقد كان من حقّهم أن يروا تكاليفهم الشاقّة وعقوباتهم الحاقّة من أنفسهم الظالمة ؛ فيستغفروا ربّهم ويطلبوا التخفيف بالابتهال والتوبة دون الكفر على الكفر والحوبة على الحوبة . وسرّ آخر : أنّ الملائكة - عليهم السلام - متوسّطون في خلق الكائنات وأنّ الأنبياء - عليهم السلام - متوسّطون في أمر التكاليف الشرعيات ، وكما وجب الإيمان باللّه - عزّ وجلّ - اعترافا بكونه خالقا آمرا ؛ إذ له الخلق والأمر كذلك وجب الإيمان بمتوسّطي الخلق والأمر : وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ ونسبة جبريل - عليه السلام - إلى الملائكة كنسبة المصطفى محمّد - صلّى اللّه عليه وآله - إلى الأنبياء ، إذ كانا كفلين من رحمته وثقلين في بريّته ؛ واليهود كفروا بهما جميعا ، ومن كفر بآخر الأنبياء رسالة فقد كفر بأوّلهم بعثة ، ومن كفر بآخر الملائكة رسالة فقد كفر بأوّلهم بعثة ، وكأنّهم لم يؤمنوا بنبيّ مرسل ولا ملك مقرّب ؛ ومن عاداهم فقد عادى اللّه تعالى ، قال - عزّ من قائل - : مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ . وسرّ آخر : في تخصيص جبريل وميكائيل - عليهما السلام - بالذكر بعد قول المفسّرين إنّ ذلك تشريف لهما كما قال : فِيهِما فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ ولا بدّ من اشتمال التخصيص والتشريف على سرّ فيهما دون سائر الملائكة - عليهم السلام - ، وقد ورد في الأخبار اختصاص كلّ واحد منهما بأفعال وخصال وعلوم وأحوال ، فأمّا جبريل - صلوات اللّه عليه - فهو كما وصفه اللّه تعالى في كتابه : إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * الآية ؛ فهو الرسول من ربّ العالمين الكريم في جوهره ، القويّ في ذاته ، المكين عند ذي العرش ، المطاع في الملائكة ، الأمين على الوحي والرسالة ؛ فقوله قول اللّه ، ورسالته عن اللّه ، وكرمه بتقوى اللّه ، وقوّته على طاعة اللّه ، ومكانته عند اللّه ، وأن يطاع لطاعته للّه ، ويؤتمن لأمانته في اللّه ؛ ووصفه في موضع آخر بشدّة القوى : عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى ذُو مِرَّةٍ وهذا عجيب ؛ إذ التعليم ( 208 آ )