محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

471

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

وسرّ آخر : أنّ الذي تحقّق حاله فيما بعد الموت هو الذي استعدّ للموت حقّ الاستعداد ، وأحقّ الاستعدادات تسليم صاحب الأمر ، أعني النبيّ في زمانه والنائب عنه في كلّ زمان ، حتّى تتّصل به طاعته واتّباعه اتّصال الجزء بكلّه ؛ فيكون حشره معه ومرجعه إليه ولحوقه به ، ولهذا دعا يوسف - عليه السلام - حين تكاملت حالته بالدين والملك ؛ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ فقوله : تَوَفَّنِي مُسْلِماً إشارة إلى التسليم لأمر اللّه ولصاحب أمر اللّه ، وقوله : وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ * إشارة إلى الاتّصال بهم والانخراط في سلكهم . فمن وفّق هذه المرتبة فهو على يقين من أمر الآخرة ، وحرص شديد على الانتقال إليها ، وسلوة عن الفائت ( 205 آ ) من حطام الدنيا العظيمة الوزن عند أهلها . قوله - جلّ وعزّ - : قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ ( 97 ) النظم وكما أخبر اللّه تعالى عن حرصهم على الحياة الدنيا وفرارهم عن تمنّي الموت وكذبهم في قولهم : إنّ الدار الآخرة خالصة لنا من دون الناس ، كذلك أخبر عن سرائر قلوبهم في بغض جبريل - عليه السلام - وعداوته ؛ إذ كان يأتيهم بالتكاليف الشاقّة والعقوبات الناجزة ، وبشّر هذه الأمّة بأنّ ملك العذاب في حقّ الأمم السالفة هو ملك الرحمة في حقّ هذه الأمّة ، وأنّه نازل على قلب المصطفى - صلّى اللّه عليه وآله - بإذن اللّه ، مصدّقا لما في التوراة ، واضعا عنهم إصر التكاليف العنيفة ، وأغلال الأحكام الشديدة . النزول قال ابن عبّاس : حضرت عصابة من اليهود رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله - فيهم ابن صورة وجماعة من يهود فدك ؛ فقالوا : يا أبا القاسم حدّثنا عن أربع خلال نسألك عنهنّ لا يعلمهنّ إلّا نبيّ . قال : سلوني ما شئتم . قالوا : أخبرنا أيّ الطعام حرّم إسرائيل على نفسه من قبل