محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
470
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
تقديما وتأخيرا كأنّه قال : ولتجدنّهم ومن الذين أشركوا ، أي وقوما من الذين أشركوا ، أحرص الناس على حياة . ثمّ فسّر حرصهم فقال : يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ ثمّ قال : وَما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ ، الكناية ترجع إلى أحدهم كأنّه قيل : وما أحد بمنجّيه من العذاب تعميره . قال الزجّاج : ويجوز أن يكون « هو » كناية عمّا جرى ذكره من التعمير . والتقدير وما تعميره بمزحزحه من العذاب . والفعل يدلّ على المصدر ، كقوله : وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ يعني وإن ( 204 ب ) أكله لَفِسْقٌ وعلى هذا قوله : أن يعمّر تكرير لذكر التعمير . قال الكسائي : يجوز أن يكون « هو » كناية عن الشأن ، أي وما الشأن والحال بمنقذه من العذاب ؛ وقال الفرّاء : « هو » عماد ، والمعنى وما التعمير بمزحزحه . فلمّا تقدّم بمزحزحه أدخل هو عمادا ؛ والزحزحة : التنحية والإبعاد . وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ ، مجازيهم على أعمالهم . الأسرار قال الذين يتمنّون الموت ولا يحرصون على حياة : « إنّه يموت من يموت منّا وليس بميّت ويبلى من بلى منّا وليس ببال 565 » ويقول - عليه السلام - : « فو اللّه ما أبالي دخلت إلى الموت أو خرج الموت [ إليّ ] 566 » فهو أحرص على الموت من العطشان إلى الماء ، إذ كان التصديق منهاجه ، والصالحات مناره ، والموت غايته ، والدنيا مضماره ، والقيامة حلبته ، والجنّة سبقته ؛ ولمّا علم اللّه تعالى من اليهود سوابق أعمالهم الخبيثة من عبادة العجل وقد أشرب في قلوبهم ، ومن إعراضهم عن الوصيّ هارون - عليه السلام - وقد لزم بيته خوفا عن تفرّقهم ومن إيذائهم موسى - عليه السلام - بمحالات الأسئلة وامتناع قبول التكليف قال : وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ من الأعمال القبيحة ، وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ؛ * وليس ذلك النفي تعجيزا ، بل هو إخبار عن حالهم وعلمهم بما قدّمت أيديهم من أفعالهم ، وذلك أنّ حالهم هو أنّهم أحرص الناس على الحياة والبقاء في الدنيا ؛ ومن كان حريصا على شيء لا يتمنّى زواله عنه ، ومن كان عارفا بجنايته وجرمه في الدين لا يتمنّى الدخول على اللّه ، فلذلك قال : ولن يتمنّوه إلّا لهذين السببين .